إن البحث في هذا الموضوع مغامرة، ذلك أنك تبحث في المجهول، ثم إن المتغيرات قد تغير التصور عن المستقبل رأساً على عقب، بيد أن هناك شيئاً مهماً، وهو أن الذي يفكر عقلانياً وعلمياً، ويفهم الماضي والحاضر، لديه القدرة على استشراف المستقبل في إطار الرؤية التي تكونت لديه، وهي بدون شك غير مكتملة، لكن أسسها الاستراتيجية قد وضعت في الحاضر مستفيدة من تجارب الماضي.

وما الخطط والاستراتيجيات في المجالات المختلفة إلا كتابة لتاريخ المستقبل، وهي قابلة للتعديل إذا لزم الأمر للتغيير، وهنا تجدر الإشارة إلى فهم أساس بناء المستقبل، فقد كتبنا منذ سنوات مقالاً تحت هذا العنوان في مجلة العربي، وكانت ردود فعل الذين يفهمون التاريخ بعقلية تقليدية أنه لا يمكن كتابة تاريخ المستقبل من منطلق أن أحداثه لم تقع، وأن وثائقه لم تظهر، واليوم بعد التقدم العلمي والمعلوماتي يمكن كتابة جوانب مهمة من تاريخ المستقبل، فمثلاً عندما تكون لدينا إحصاءات عن عدد الطلبة في مرحلة الثانوية نعرف بعد سنوات عدد خريجي الثانوية، ومن خلال ذلك نعرف عدد الذين سيلتحقون بالجامعة، ونستطيع أن نرسم سياسة القبول، ونعد للمشكلات التي ستنجم عنها، وعندما يكون لدينا عدد من المبتعثين للدراسات العليا نعرف مدى حاجتنا بعد سنوات للعدد المطلوب من الهيئة التدريسية في الجامعة، وهكذا ينسحب الموضوع على القطاعات الأخرى.

Ad

إن التفكير في علم التاريخ يجب أن يتطور، وتتغير النظرة التقليدية للزمن والأحداث ووثائقها، فمشكلات الحاضر جذورها في الماضي، وبناء الحاضر أساس المستقبل، ووثائق ومصادر الماضي التي هي من فعل الإنسان والطبيعة ليست مقدّسة.

والأسئلة المطروحة هي: لماذا ندرس ونبحث في التاريخ؟ أليس ذلك من أجل فهم أفضل للحاضر والاستفادة من تجارب الماضي للحاضر والمستقبل؟ وكيف نستفيد من ذلك بدون رؤية سياسية اقتصادية ثقافية اجتماعية؟ وهل الاختلاف هو حول كلمة تاريخ لأننا تعلمنا في المدارس بأنها معنية بالماضي؟ ومن قال إن التاريخ ليس متصلاً عبر الأزمنة؟ وإذا كان المستقبل لا يدخل في ذلك التصور فماذا تعني دراسات المستقبل التي بدأت العناية بها في العالم المتقدم؟

أيها التقليديون أعيدوا النظر في المفاهيم، وإن لم تستطيعوا ذلك فافسحوا الطريق لغيركم، فالعلم يتطور، وأنتم غير قادرين على تطوير تقليديتكم بفهم معاصر ومستقبلي.