يبدو أن الهيئات الحكومية، المعنية بالشأن الاقتصادي، باتت تنسج على منوال فشل الإدارة العامة المتكرر في العديد من الملفات المهمة، حتى وإن كانت نوايا القائمين عليها سليمة، والهدف المنشود منها ملحاً.

فلم يكد ديوان الخدمة المدنية ينتهي من إجراءات إحالة رئيس الهيئة العامة للطرق والنقل البري إلى التقاعد، بعد فشلها في إدارة ملف هطول الأمطار على البلاد، حتى أعلنت الحكومة رغبتها في إلغاء كيان الهيئة، التي يبلغ عمرها 4 سنوات فقط، والتي سبق أن عوّلت عليها كثيراً في العديد من البيانات الرسمية، بوصفها أداة لتخفيف الزحام المروري، ورفع درجة الكويت في مؤشرات قياس البنية التحتية، غير أنها في حقيقة الأمر ذهبت ضحية انحرفات الإدارة العامة، لا سيما في تشابك اختصاصاتها بين وزارتي الأشغال والداخلية، مما جعلها مقيدة عن أداء أي من واجباتها.

Ad

صحيح أن «هيئة الطرق» هي الجهة الوحيدة التي اتخذ فيها القرار بشكل فعلي أو شبه رسمي، لكنها بالتأكيد ليست الوحيدة المتعثرة في أعمالها، أو تعاني قصوراً لافتاً في رؤيتها أو فهم أغراض تأسيسها، ومثال على التعثر في الأعمال ما حدث قبل فترة وجيزة من استقالة المدير العام للصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة عبدالله الجوعان، من منصبه الذي لم يُمض فيه أكثر من عام.

صراعات الصندوق الوطني

ورغم أن استقالة أي شخص يجب ألا تؤثر في مؤسسية العمل بأي جهة، فإن الأمر في حالة صندوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة يكشف عن صورة ما يعانيه منذ فترة ليست بالقصيرة من صراعات إدارية، ونزاعات بين محسوبين على مجلسي الإدارة السابق والحالي، وتضارب في الصلاحيات، والأهم من ذلك التحديات والتعقيدات الخاصة بأهم اختصاصاته، إن لم يكن جوهر أعماله، وهي «التمويل والأراضي»، مما انعكس سلباً على الأداء والنتيجة.

فالصندوق، الذي أُسس عام 2013 برأسمال يبلغ مليارَي دينار، بهدف خلق فرص عمل للكويتيين في القطاع الخاص، بعيداً عن التكدس في القطاع الحكومي وزيادة نسبة مشاركة هذه المشروعات في الاقتصاد المحلي، لم ينجح في خلق سوق عمل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يخفف الضغط عن القطاع العام الذي ارتفعت فيه نسبة تركز الكويتيين لأعلى مستوياتها على الإطلاق عند 81 في المئة (دون احتساب شريحة العسكريين)، في حين كان أول أهداف الصندوق عند التأسيس خفض هذه النسبة لمستويات أقل، وبالتالي ينسجم عمل الصندوق -وغيره من الهيئات الأخرى- مع الفشل المتكرر للإدارة العامة في الملفات الاقتصادية المتعددة، كالتركيبة السكانية أو خفض نسبة الاعتماد على النفط في الميزانية العامة، من جهة استهداف رقم معين وتحقيق نتيجة معاكسة.

تقصير «حماية المنافسة»

أما القصور في الرؤية فيتمثل في إعلان جهاز «حماية المنافسة» عن حاجتها لـ 5 سنوات كاملة كي تتمكن من تنفيذ تحقيق استراتيجيتها ورؤيتها، ومن المفيد أن نعرف أن قانونها صدر في عام 2007 وأنشئ الجهاز عام 2010، ولم يقم منذ ذلك الوقت بأي عمل غير دراسة أسعار مزادات أسواق السمك، حتى تغير مجلس إداراته العام الماضي، رغم أن هذا الجهاز معني بمكافحة وتجريم السياسات الاحتكارية وحماية المنافسة والحد من إخفاقات السوق، وبالتالي فإن فترة الـ 5 سنوات الإضافية لتطبيق أهداف قانون نافذ منذ 11 عاماً، وجهاز مؤسس منذ 8 سنوات تبدو كأنها «نكتة بايخة»، خصوصاً أن هذه المدة الطويلة تتعلق بتطبيق عموميات كالاستقلالية والشفافية والنزاهة والحيادية، وهي من القيم صعبة القياس وسهلة الادعاء، وبكل الأحوال لا تتحقق إلا بالممارسة والمهنية.

بطء مشاريع الشراكة

ويمتد بساط الإنجاز إلى هيئة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، التي كان الهدف الأساسي من إنشائها عام 2014 خلق نمط علاقة جديد بين القطاعين العام والخاص، يتمثل في رفع مستوى التعامل مع خلال مشاريع «BOT» و»PPP»، بدلاً من تنفيذ المشاريع عبر المناقصات العامة، إذ لم تنفذ إلا مشروعاً واحداً هو شركة شمال الزور الأول، وأرست مؤخراً محطة أم الهيمان للصرف الصحي، أما بقية مشاريعها الـ 11 الأخرى، وأبرزها مترو الكويت وتطوير جزيرة فيلكا ومحطة العبدلية للطاقة الشمسية وغيرها، فهي ما بين مراحل «الطرح - ما قبل الطرح - اختيار المستشار»، وخلال سنوات عمر هيئة الشراكة أنفقت الدولة على المناقصات العامة أكثر من 18 مليار دينار كان يمكن توفير جزء ضخم منها، لو أن مشاريع الشراكة فاعلة بشكل حقيقي.

محدودية الاستثمار الأجنبي

أما هيئة تشجيع الاستثمار المباشر «الأجنبي»، والتي يعتبرها معظم مسؤولي الاقتصاد «ماشية زين»، فإن نتائجها وأهدافها تبينان عكس ذلك تماما.

فحسب احصائية مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» عن عام 2017، فإن الكويت اقل دول مجلس التعاون جذبا للاستثمار الاجنبي بـ 300 مليون دولار، بتراجع 28.2 في المئة عن عام 2016 وبإجمالي 2.9 مليار دولار طوال سنوات تأسيسها، منذ 5 سنوات.

وعلى صعيد أهداف تشجيع الاستثمار، فرغم التوقيع مع كبريات الشركات العالمية مثل IBM وجينرال إليكتريك وبوينغ، وطرح فرص استثمارية بقيمة 100 مليار دولار فإن الهدف الرسمي من كل هذه الاستثمارات وغيرها هو توفير ألف وظيفة فقط للشباب الكويتيين، خلال 5 سنوات قادمة، وهو رقم مخجل جداً، مقارنة بتحديات الدولة في سوق العمل، خلال السنوات المقبلة، إذ تتوقع دراسات حكومية رسمية أن يتصاعد عدد المتقدمين لسوق العمل حتى عام 2025 لما يتجاوز 45 ألف متقدم سنوياً.

عكس الأهداف المرجوة

لا شك أن تأسيس الهيئات الحكومية كان فكرة دفاعية لتجاوز البيروقراطية وانخفاض الكفاءة الحكومية، فضلاً عن السعي للتخصص ورفع المهنية، وقد نجح بعضها نسبيا في بعض أعماله، مثل هيئة اسواق المال الذي لم يجدد مجلس الوزراء لعضوية معظم مفوضيه، رغم ادائهم في رقابة وتطوير السوق، أو هيئة مكافحة الفساد «نزاهة»، لكن لا يزال أمام الهيئتين (الاسواق ونزاهة) طريق طويل لتحقيق أهدافهما، أما في معظم الجهات الأخرى فكانت النتيجة على عكس الاهداف المرجوة من تحفيز وتنشيط الاقتصاد، لا سيما ان بعضها تحول الى مواقع للتنفيع او التنازع في الاختصاصات، او مجرد واجهة غير منتجة في حقيقتها، مع ان ما تأسس من هيئات خلال السنوات القليلة الماضية يفترض، لو اتسقت النوايا مع الوقائع، أن يحول اقتصاد الكويت الى حال افضل.