بداية لا بد من التوقف عند معنى الاستقلال ومفهومه، وهو القدرة على صنع القرار الذاتي من دون تدخل من أي طرف آخر، لذلك كانت معركة الشعوب العربية منذ السيطرة العثمانية ومن ثم الاستعمارية الغربية تقوم على أساس حرية هذه الشعوب في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي، وقدمت التضحيات في معركة الحرية في القرن العشرين، وكان نضالها للاستقلال السياسي والاقتصادي استقلالاً حقيقياً وليس ديكوراً شكلياً، وتطورت تلك المعركة من الاستقلال السياسي عن الخضوع للاستعمار إلى الاستقلال الاقتصادي بسيطرة هذه الدول على ثرواتها من أجل شعوبها، لكن تلك المعركة لم تكن سهلة في ظل تطور الأوضاع الإقليمية والدولية لإبقاء العرب ودولهم في إطار الاستقلال الشكلي، على أن يستمر الخضوع للخارج مع تغير الوسائل والأساليب.

وكانت التحديات كبيرة في داخل كل قطر عربي، والمعركة هدفها إبقاء هذه الدول على حالها إذا لم تتخلف أكثر، وكان ولا يزال لإسرائيل دور في ذلك ليس بالنسبة إلى فلسطين فحسب، بل للدول العربية عموماً لتحقيق أهدافها الاستراتجية في المنطقة.

Ad

ووصلت الأمور إلى الحالة التي تعيشها الدول العربية من تراجع وهشاشة استقلالها، خصوصا الدول العربية الكبيرة التي كان من المؤمل عليها قيادة معركة الحرية والاستقلال التي بدأت أسسها مبشرة بفجر عربي، وأمست في ظلمة حالكة.

وتثار بين الحين والآخر أسباب هذه الحالة، وما المخرج؟ والجواب طبعاً أن النظام السياسي العربي يتحمل جزءاً من المسؤولية، إذ سعى إلى وجوده ومصلحته لا وجود ومصلحة الشعوب والقوى السياسية العربية التي وضعت مسألة الاستقلال والحرية في مقدمة أولوياتها، والجزء الآخر تتحمله القوى الإقليمية والدولية ودورها في تخريب وتخلف الدول العربية لمصالحها سواء العرب كقوة شرائية استهلاكية، أو تجارة السلاح، أو للأغراض السياسية في منطقة مهمة كالوطن العربي، بإمكاناته وموقعه، ويفترض ألا نطرح مثل هذا الموضوع اليوم، بل نطرح مسألة التنمية والديمقراطية والحداثة لكننا للأسف الشديد لم ندخلها بعد!

إذاً معركة الاستقلال العربي مطروحة ومستمرة، فالقوى الإقليمية والدولية تتغلغل وتؤثر، ونحن نلهث وراء الأحداث، ولا نزال نتغنى بالاستقلال والحرية وهما يعيشان أزمة حقيقية في أقطارنا، إذ تبدأ القصة بفهم لمسألة الاستقلال في ظل ظروف الحاضر، والتحديات التي يجب أن نواجهها برؤية استراتيجية لا بتخبط وفساد وهدر للإمكانية بقيادة النظام السياسي ما عدا بصيص الأمل لدى بعض الدول العربية التي ركزت على التحديث لا الحداثة!