يلاحق طيف الشيوعية روسيا، ولكن هذه المرة بخلاف صيغة كارل ماركس الأصلية، الطيف ميت حقاً، نسمع غالباً أن السياسات الروسية تتخذ دوماً استدارة محتمة نحو اليسار، وأن النظام السياسي يحتاج إلى إعادة ابتكار نفسه ليفسح المجال أمام حزب يساري بحق، لكن هذا الكلام لا يحقق أي هدف غير تحضير الجميع لحرب الأمس، حيث بات القتال في مكان آخر.

لا شك أن الروس مستاؤون من مسائل مثل رفع سن التقاعد، ويعبرون عن غضبهم أينما استطاعوا، داعمين مثلاً مرشحي الحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي اليميني المتطرف في الانتخابات الإقليمية الأخيرة، ولكن من الضروري ألا نخلط بين الاحتجاج اليساري المنحى والرغبة الجامحة في ثورة اجتماعية.

Ad

شكّل نجاح مرشحي المعارضة في انتخابات سبتمبر الإقليمية في روسيا تصويتاً ضد الحزب المدعوم من الكرملين، روسيا الموحدة، أكثر منه تأييداً للشيوعيين. لم يكن الشعب غاضباً من الحكومة بسبب إصلاحها قانون التقاعد فحسب، فقد عبّر عن استيائه أيضاً لأن الحكومة عكست عنصراً أساسياً في عقد عهد بوتين غير المكتوب: لا تمس بنظام المساعدات الاجتماعية، فالمفارقة تكمن في أن شعبية "روسيا الموحدة" تتراجع، إلا أن اليسار لا يزداد شعبية على حسابه.

لا نشهد تأييداً متنامياً لحزب يساري، بل أزمة عامة لنظام حزب، ففي شهر ديسمبر 2017، ذكر 17% من المشاركين في استطلاع للرأي أنهم لن يصوتوا مطلقاً، وارتفعت النسبة إلى 22% بحلول شهر أغسطس 2018، وفي استطلاع الرأي الأحدث أكد 7% ممن أقبلوا على صناديق الاقتراع أنهم سيلغون أو يعطلون تصويتهم.

يريد الشعب التغيير، ففي شهر أغسطس 2017، قمت أنا ودينيس فولكوف من مركز ليفادا ببعض الأبحاث حول مدى استعداد الناس للتغيير، فدعم 42% التغيير الجذري، في حين أيد 41% التغيير التدريجي، وفي شهر مايو 2018، كرر مركز ليفادا السؤال ذاته: "ما نوع التغيير الذي تريدونه؟"، على المجموعة ذاتها من المشاركين عبر روسيا، فارتفع عدد مَن أرادوا التغيير الجذري إلى 57%، في حين أشار 25% فقط إلى أنهم يرغبون في تغيير تدريجي.

عندما نتأمل الوضع عن كثب، نرى أن "مؤيدي التغيير الجذري" لا يعرفون ماذا يريدون بخلاف رغبتهم العامة في التغيير، فالناس يريدون الهرب من مثلث برمودا: التضخم، والمداخيل المتدنية، وخطر البطالة، ويسرهم أن يحمل بوتين، وزير المالية السابق ألكسي كودرين، وزعيم الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف، أو حتى ستالين نفسه إن أمكن، راية التغيير عالياً.

صوّت الكثير من هؤلاء الناس لبوتين في الانتخابات الرئاسية في مرحلة سابقة من هذه السنة، لكنهم لم يصوتوا له لشخصه بل بصفته شخصا يمنع المسائل من الازدياد سوءاً، وبالنسبة إلى أناس توقعاتهم متدنية، يشكّل "عدم الازدياد سوءا" مرادفاً لـ"الأفضل"، لكن الجو العام يغلي بسبب المبادرات الاجتماعية الأخيرة، ويمثل هذا رد فعل طبيعياً تجاه وضع يرون فيه الدولة تملأ خزائنها، معززةً عدم المساواة الاجتماعية. فإذا كانت الضرائب التي تنتزعها الحكومة من الشعب ستُستعمل، وفق طريقة التحليل هذه، لشتى الأغراض، فكيف يمكننا أن نتوقع من الشعب أن يثق بأي مشاريع تمولها الدولة، بما فيها مشروع يقدّم حزباً جديداً؟

وُصفت الدعوة الشعبية الجديدة للتغيير بالشعبوية، ولا شك أنها تملك أوجه شبه عدة مع ما يحدث في أوروبا: تنهزم الأحزاب السياسية اليسارية أمام حركات وقادة شعبويين نجحوا في استغلال الأفكار اليسارية واليمينية في خطابهم.

ولكن في روسيا، لا تتجلى الرغبة الجديدة في التغيير بوضوح ودقة، وتفتقر إلى القائد، والتنظيم، واللون العقائدي. إلا أن من الصعب إضفاء الصبغة الشعبوية على أناس يطالبون بالحد الأدنى من العدالة من نظام سياسي يعجز عن العمل بفاعلية في أفضل أحواله، ويسعى دوماً لجمع الثروات لنفسه بإنفاق المال الذي جمعه من الناس على محاولة شراء ولائهم فحسب، ويُعتبر نظاما سياسيا مماثلا معطلاً داخلياً.

هذا مرض يمكن شفاؤه، إذ تساهم جرعة مضاعفة من دواء "المنافسة والمداورة" على الأقل في إخراج المريض من حالة الكآبة، إلا إذا كان هدف الحكومة إبقاء المريض اصطناعياً في هذه الحالة.

* ديمتري يرماكوف

* «موسكو تايمز»