كان لي شرف المشاركة في معرض كتاب الشارقة الدولي الـ37، الممتد من 31 أكتوبر إلى 11 نوفمبر 2018. وقبل الدخول في تفاصيل المعرض ونشاطاته وتميزه عن بقية المعارض، سأكتب ملاحظاتي عن مدينة الشارقة، التي هي بالفعل اسم على مسمى، إذ كان لكل شخصية من اسمها نصيب، فالشارقة حظيت بمعنى اسمها كله.

العين التي تقارن وترى الاختلافات هي عين المسافر، فالمقيم بمكان تعوَّدت عينه عليه لا يمكنه أن يرى تميز واختلاف مدينته عن غيرها، أو ربما لا يشعر بجمالية المكان الذي يعيش فيه من شدة التعود عليه. أذكر ملاحظة كاتبة يمنية عندما كانت في زيارة للكويت، سألت عن مظلات الكيربي التي تتواجد أمام كل البيوت وكل مواقف الوزارات والأماكن العامة، لم تعرف ماهية وسبب وجودها، لكنها لاحظتها، وهي بالنسبة لي أمر لا يمكن أن يُلاحظ من شدة اعتيادنا عليه.

Ad

الحنان هو الطابع الواضح لمدينة الشارقة، كيف؟

لا أعرف بالضبط تحديد التوصيف، لأنها مشاعر وأحاسيس يبثها المكان دون الفهم والقبض على المعنى الكامن تحت هذه العلامات الحسية الغامضة والملتبسة والمبهمة، فالأمكنة لها روح ترسل ذبذباتها لمن هو قادر على تلقيها، وهو غالبا ما يحصل معي في علاقتي مع الأمكنة، وخاصة تلك البريئة النيئة التي لم تتبهرج وتتبرج بشكل ابتذالي مصطنع، بما يفقدها ويسلخها من طبيعة صفاتها، والشارقة من مدن الخليج التي استطاعت أن تُمسك العصا من وسطها، بحيث لم تفقد طبيعتها الهادئة المحاطة بالسَّكينة وروح ماضيها، الذي لم تنسفه ولم تتخلَّ عن أصالته، فبقيت المباني محافظة على طراز يتماثل ويقترب مما كانت عليه في الماضي. لم تتغرب ولم تبتعد عن أصولها وروح تراثها، ما منحها هذا الأمان الذي يُشعر عين الرائي بأنه مازال مشتبكا مع ماضيه وأهله وتاريخه، وليس مقتلعا من جذره. وحتى مباني الأبراج الشاهقة لم ينعكس تغريبها على طابع المدينة، فقد أُقيمت بجزء إضافي لها، وليس مختلطا بها، ما أبقاها كجزء محدث على المكان، لكنه لم يتداخل ويتمازج مع بقية مباني المدينة التي بقي لها طابعها الهادئ الناعس بالطمأنينة والسَّكينة، وربما تداخُل البحر بشكل دائري ما بين المباني الواطئة والمرتفعة أعطاها ومنحها هذا التقسيم الذي أبقاها كأمكنة منفصلة بطبيعة اختلافاتها، ما منح الشعور بالهدوء والراحة، بعيدا عن الازدحامات والاختناقات المتولدة من مجاورة الأبراج الضخمة.

ولفت نظري بشدة ثقافة الناس وتعاملهم مع سلوكيات الشوارع؛ فالكل هادئ، والسيارات تسير دون تجاوز غيرها بعنف وغضب وتعامل متهور. لا أدري إن كان السبب هو قلة ازدحام الشوارع وانسياب مرورها، أم أن المدينة الهادئة فرضت هدوئها على مَن يقطنها، أم أن الناس بطبعهم هادئون؟

سلوك التعامل الهادئ منعكس على الجميع، وهو ما لاحظته بكل مكان سرت إليه، كما أن الوافدين يتميزون بذات الطبع؛ لا عنف، لا غضب، ولا لهاث، "رتم" يأتي بالسَّكينة والسلام والهدوء على كل مَن يسير ويتحرك بالمدينة وطرقاتها، وهذا أمر غريب عليَّ، وافتقدته في الكويت وعواصم العالم التي زُرتها، ما زالت الشارقة تحتفظ به، ما أشعرني بأشعة حنان تسلَّطت على روحي، آتية من منابع طفولة المدن وروح أصالتها الغاربة والمغربة والممحوة بممسوخات التحضر والتبهرج، التي استطاعت الشارقة أن تنجو منها بحصافة وذكاء تخطيط مكان حافظ على روح أصالته، وأبقى أُناسه في أمان ارتباطهم بحبلهم السري مع ماضيهم، ولم يزغ قلوبهم ويفصلهم عنه.

أما معرض الشارقة للكتاب، فحكاية أخرى. بصراحة لم أرَ طوال حضوري لكل معارض الكتاب التي رأيتها بحياتي مثل معرض الشارقة، بكل تفاصيله، التي تبدأ بجمال ونظافة البناء الحديث المكيَّف والمقسَّم إلى صالات عرض صغيرة متعددة لجميع أنواع المحاضرات الثقافية والتشكيلية والطبخ وعلوم الطاقة والغرافيك والتوقيعات الجديدة والعروض المختلفة، وأيضا هناك أنشطة مماثلة لكل هذه تقام في قاعات للجالية الهندية، وأنشطة ثقافية بقاعات أخرى للأطفال، وهناك أنشطة كثيفة متعددة لكل التوجهات والأعمار، ما يجذب الجميع لزيارة المعرض.

وبالفعل، زار المعرض عشرات الآلاف من الناشرين والمدعوين، وبلغ عدد زواره على مدى سنوات عُمره الملايين، وأصبح معرض كتاب الشارقة الدولي من أبرز معارض الكتاب في العالم.

الشارقة مدينة تعتني بالعقول، وليس بتنمية الثقافة الاستهلاكية الرائجة.