أثنى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي على اللقاء المرتقب بينهما واعتبراه بداية عهد جديد في العلاقات الصينية-اليابانية، فقد خاضت هاتان الأمتان الأوسع نفوذاً في آسيا حرباً باردة طوال عقد، وتعود هذه الحرب خصوصاً إلى جزر سنكاكو-دياويو المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي، وعموماً إلى انزعاج اليابان من بروز الصين وقلق بكين من التحديث العسكري في طوكيو.

أخفقت محاولات الصين ترهيب اليابان وحملها على التخلي عن جزر سنكاكو رغم التوغلات المتكررة في المياه المحيطة بالجزر من قبل الصيادين الصينيين، ومراكب خفر السواحل الصيني، وسفن البحرية الصينية. كذلك حلقت راميات القنابل الصينية قرب المجال الجوي الياباني بأعداد غير مسبوقة في السنوات القليلة الماضية، دافعةً قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية إلى تنفيذ مئات عمليات الحشد. وفي عام 2010، فرضت بكين حظراً مؤقتاً على تصدير معادن الأرض النادرة، التي تُعتبر أساسيةً في الإنتاج الصناعي المتقدم، إلى اليابان. وفي عام 2012، تحولت تظاهرات مناهضة لليابان في مدن عدة في مختلف أنحاء الصين إلى أعمال شغب استهدفت شركات يابانية، وعندما التقى آبي شي أخيراً في عام 2014، لم يكد ينظران إلى بعضهما.

Ad

لا شك أن الجو العام بدا مختلفاً تماماً خلال الاستقبال الرسمي الحافل الذي حظي به آبي في بكين. فقد رحب آبي وشي ببعضهما بحرارة، محتفلين على ما يبدو بالذكرى الأربعين لمعاهدة السلام والصداقة الصينية - اليابانية، ورافق نحو خمسمئة رجل أعمال ياباني بارز آبي، ووقع كلا الطرفين اتفاقات تجارية بقيمة 18 مليار دولار. والأهم من ذلك أن العلم الياباني رفرف على طول الشارع الرئيس في الصين، ولا شك أن هذا مشهد نادر ندرة الابتسامات المتبادلة بين القائدين، اللذين أعلنا أن المنافسة بينهما قد انتهت، وأنهما يسيران في "اتجاه تاريخي جديد".

ولا شك أننا نرحب بأي تراجع في التوتر بين هاتين الدولتين الآسيويتين الرائدتين، إلا أن المتفائلين سيواجهون على الأرجح خيبة أمل، فما زال شي بعيداً كل البعد عن الترحيب باليابان كشريك ند، ويسعى على الأرجح إلى تأدية نسخته الخاصة من "ورقة الصين"، مستخدماً هذه المرة اليابان كوسيلة لموازنة الولايات المتحدة.

يبدو سبب تحوّل شي الظاهري واضحاً: تزداد علاقاته مع واشنطن سوءاً بسرعة، ولا يتراجع ترامب عن حربه التجارية أو تعزيزه العمليات العسكرية الأميركية في مناطق بحرية تدعي الصين ملكيتها، فأخفقت مناورات الصين المخادعة، وأدرك شي على الأرجح أنه سيُضطر إلى خوض حرب استنزاف طويلة مع واشنطن.

لذلك لجأ شي إلى ورقة اليابان، حيث تحتاج بكين إلى البقاء شريكاً تجارياً جذاباً، وخصوصاً في ظل نجاح آبي في المضي قدماً بالشراكة عبر الهادئ بعد انسحاب ترامب وتوقيعه اتفاق تجارة حرة جديداً مع الاتحاد الأوروبي. ربما يعتقد شي أن من الممكن حض طوكيو على الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، الذي أنشأته الصين، تاركةً الولايات المتحدة وحيدة، ويُعتبر الوعد بتخفيف الضغط بشأن جزر سنكاكو تنازلاً سهلاً بالنسبة إلى شي، نظراً إلى أن طوكيو ما زالت ملتزمة بالدفاع عنها، وإذا بلغت العلاقات درجة كافية من الود، فربما تحاول بكين إقناع طوكيو بالتخفيف من زياداتها في الإنفاق في مجال الدفاع.

تشير الوقائع إلى قلة المجالات التي تلتقي فيها مصالح الصين واليابان، فالتاريخ السام بينهما يؤجج الروح القومية في كلا البلدين، وخصوصاً في الصين، ويبقى صراعهما للسيطرة في آسيا لعبة فيها الخاسر والرابح، فقد عملت اليابان بقيادة آبي على تعميق علاقاتها مع الهند في جنوب شرق آسيا ومع أستراليا، وكل ذلك بسبب خوفها من طموحات الصين العسكرية المتنامية ومبادرتها "الحزام والطريق" الواسعة. في المقابل، لم يعرب شي عن ميله إلى التراجع عن سياسات الصين الإقليمية الجازمة.

ولا شك أن هذه ستشكل خطوة تاريخية إن كان هذان القائدان يتجهان بحق نحو التعاون بدل التنافس والتخاصم، ولكن إذا ما احتاج شي إلى كبش فداء لإبعاد الانتباه عن الاقتصاد الصيني المتباطئ، أو إذا ما نجح بطريقة ما في تحسين العلاقات مع واشنطن، فإن اليابان ستعود على الأرجح إلى عدو الأمة الأول وسيتضح أن ورقة اليابان ما كانت في الواقع إلا ورقة مهرّج.

* مايكل أوسلن