لم يذكر لنا تاريخ الكويت سوى ثلاث حالات من الأمطار الغزيرة التي غرقت بسببها البلاد، أولها ما يعرف بالأمطار الرجبية عام 1872، ثم سنة الهدامة 1934، وأخيراً سنة الهدامة الثانية عام 1954، ولعل الأضرار التي لحقت بالناس وممتلكاتهم كان لها ما يبررها من نقص في الموارد والإمكانات وغياب البنية التحتية، ولكن ما شهدتها الكويت يوم 6 نوفمبر من الصور المرعبة في الطرق السريعة والساحات الفضاء والمجمعات التجارية وبيوت السكن الخاص كفيل بتعرية الحكومة، ليس لعدم وجود الاستعدادات الكافية لمواجهة حالات الطوارئ، ولكن من المسرحية السخيفة التي تمثلت ببعض القرارات المضحكة وإقالة إثنين من المسؤولين لامتصاص غضب الناس.

الثلاثاء الماطر لم يكن اليوم الوحيد لغرق البلاد في شبر من الماء، ولا نحتاج أصلاً إلى سجلات التاريخ التي رصدت ثلاث حوادث طوال 100 سنة في القرنين الماضيين، فالكويت خلال العشرين سنة الماضية تغرق مع كل رشة مطر، والمنظر نفسه الذي شهدناه في 11 نوفمبر 1997 يتكرر باستمرار وأحياناً عدة مرات في الموسم الممطر الواحد، ولكن ما تحاول الحكومة الاستهانة فيه هو الضحك على ذقون الناس وبكل سذاجة وسط موقف أكثر سخفاً من مجلس الأمة، المطبّل أحياناً لمثل هذه القرارات البطولية أو استغلال شغر بعض المناصب القيادية للتوسل بتعيين المقربين فيها.

Ad

كل الدول تعاني حالات طارئة تفوق استعداداتها، وأحياناً تكون الطبيعة أكثر قسوة من الجميع، ولكن ليس في كل مرة كما هي الحال عندنا، فعجزنا المتكرر يدل بوضوح أننا غارقون من زمان في تخبطات الحكومة وقراراتها وتعييناتها ودرجة كفاءة أدائها في الأزمات، وقد أغرقتنا معها في سيول من الفساد المنظم والمتواصل، ولذلك فإن عقلية ونهج وغرور الحكومة كسلطة تنفيذية محصنة من المحاسبة والعقاب هي السبب الأول والرئيس وراء كل المشاكل، وما انسداد الطرق السريعة أو غرق السيارات والممتلكات أو الشلالات التي رأيناها في أحدث المشاريع الجديدة مثل صالة الـ"تي- 4" في المطار إلا نتيجة طبيعية لفشل حكومي بامتياز.

أما محاولة تأدية دور البطولة في إقالة بعض المسؤولين فإنها تعزز الفشل الحكومي نفسه، فكيف تم تعيين هؤلاء المسؤولين أصلاً؟ وهل تم ثبوت التهمة على قصورهم فعلاً؟ ومن هو البديل؟ وهل يعقل أن تكون مؤسسة بحجم الهيئة العامة للطرق ليس فيها سوى مدير عام بلا موظفين؟!

إذا كان لدينا مجلس يحترم ناخبيه كنا نراه وبشكل سريع يتبنى مجموعة من الأسئلة البرلمانية أو لجان التحقيق لمعرفة كيفية وصول من تمت إقالتهم لمناصبهم، وما المدة المتبقية لهم في هذه المراكز، ومن الشركات التي أوكل لها تنفيذ مشاريع البنية التحتية وصيانتها الدورية وقيمتها وشروطها الجزائية وطرق مقاضاتها في حالة القصور، وأخيراً تحديد مسؤولية مجلس الوزراء كمؤسسة يعهد إليها رسم وتنفيذ ومتابعة السياسة العامة للدولة، عندها يمكن أن تطهرنا أمطار السماء من ذنوب خيانة الأمانة بحق البلد والشعب وأمواله العامة!