ظل الخلاف الذي لا يحظى باهتمام كبير بين حليفَتي الولايات المتحدة هنغاريا وأوكرانيا يعتمل طوال السنة الماضية، وقد تصاعد كثيراً خلال الشهر الماضي، إذ استدعت هنغاريا السفير الأوكراني بسبب "لائحة الموت" المزعومة التي تستهدف أشخاصاً ينتمون إلى الإثنية الهنغارية ويعيشون في أوكرانيا. ظهرت هذه اللائحة، وفق هنغاريا، على الموقع الإلكترونية للمجموعة الوطنية الأوكرانية ميروتفروريتس، وشملت أسماء نحو 300 أوكراني يُقال إنهم يحملون أيضاً الجنسية الهنغارية.

في مطلع الشهر الماضي، تبادل هذان البلدان عمليات الطرد الدبلوماسي بعد اتهام دبلوماسيين هنغاريين في أوكرانيا بإصدار جوازات سفر لمن ينتمون إلى الإثنية الهنغارية، علماً أن القانون الأوكراني يحظر حمل جنسية أخرى مع الجنسية الأوكرانية.

Ad

في الوقت عينه، تواصل هنغاريا إعاقة اجتماعات لجنة أوكرانيا-حلف شمال الأطلسي، وهي الهيئة المكلفة ببناء علاقة ذلك البلد مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). نتيجة لذلك، تُعرقَل بشدة عملية اندماج أوكرانيا في البنى الغربية، ولا شك أن هذا يخدم مصلحة روسيا. إذاً آن الأوان لتتدخل الولايات المتحدة وتساهم في حل الخلاف الذي طال كثيراً اليوم.

يدور هذا الخلاف حول نحو 156 ألف شخص ينطقون بالهنغارية أو ينتمون إلى الإثنية الهنغارية، بما أن هذه اللغة تشكّل عاملاً مهماً في حياة هذه المجموعات الإثنية التي تعيش في غرب أوكرانيا. وقّع الرئيس الأوكراني بوروشينكو قانوناً يفرض على معظم المدارس المتوسطة الأوكرانية التعليم باللغة الأوكرانية، ويسمح القانون بتعليم لغة أخرى كمادة منفصلة.

واجهت أوكرانيا رد فعل عنيفاً من دول مثل هنغاريا ورومانيا لأن أوكرانيا تضم أيضاً مجموعة صغيرة من الناطقين بالرومانية، فسألت كييف لجنة البندقية، التي تقدّم النصح للمجلس الأوروبي في المسائل الدستوية، رأيها في موضوع هذا القانون، فأشارت اللجنة إلى أن نص القانون المبهم يعني أن الأهم طريقة تطبيقه.

لكنها ذكرت أيضاً: "لا شك أنه هدف مشروع ومستحب أن تروّج الدول لتقوية لغة الدولة وإتقان مواطنيها هذه اللغة وأن تتخذ الخطوات لكي يتعلمها الجميع كطريقة لمعالجة حالات عدم المساواة القائمة وتسهيل اندماج مَن ينتمون إلى أقليات وطنية في المجتمع".

من المؤكد أن هذا مبدأ سليم في أوكرانيا، في الأوروغواي، أوحتى يوتاه. دعمت إدارة ترامب بودابست في معركتها السياسية المتواصلة في وجه الجهود الرامية إلى إرغام أمة ذات سيادة على القبول بكوتا مهاجرين إلزامية يفرضها الاتحاد الأوروبي. وبهذه الخطوة تتبنى الولايات المتحدة بحق وجهة النظر التي تعتبر أن القيادة المنتخبة ديمقراطياً في بودابست في موقع أفضل من البيروقراطيين غير المنتخبين في بروكسل لتحديد ما يقتضيه خير الشعب الهنغاري.

وما يحق لهذا يحق أيضاً لذاك، وكما أن الولايات المتحدة مصيبة في الاعتراف بسيادة هنغاريا ودعمها، كذلك عليها أن توضح لبودابست أنها تتبنى موقفاً سلبياً من انتهاك هنغاريا السيادة الأوكرانية. تتمحور النقطة الرئيسة في هذه المسألة حول نظرة هنغاريا الخاصة إلى ما يؤلف الأمة الهنغارية. مزقت معاهدة تريانون عام 1920 هنغاريا تمزيقاً، فتركت حدودها التي رُسمت مجدداً الكثير من الناطقين بالهنغارية ضمن حدود الدول المجاورة. تدّعي هنغاريا أنها لا تسعى وراء حلم انتقامي لاستعادة تلك الأراضي، إلا أنها تصر على أن هؤلاء الناطقين بالهنغارية يشكّلون جزءاً من الأمة الهنغارية وأن لهم الحق بالتكلم بلغتهم وحتى المشاركة في الانتخابات الهنغارية، ومن هنا ينشأ الخلاف مع أوكرانيا المحاصرة أساساً.

وهنا تكمن المشكلة الكبرى، إذ تتوافق نظرة هنغاريا إلى ماهية الأمة مع مفهوم روسيا الخاص عن الأمة، فقد استخدم الكرملين هذا المفهوم ليبرر غزوه غير المشروع لأوكرانيا وسيطرته بالتالي على أراضيها. لا عجب في أن تطرح روسيا أخيراً موقف هنغاريا من قانون اللغة الأوكراني كدليل على أن هذا القانون غير مدروس، فبإصرارها العنيد على حقوقها المرتبطة بمواطني دول أخرى، تقوم الحكومة الهنغارية اليوم بما اتهمها به أسوأ منتقديها في الولايات المتحدة منذ زمن: التحول إلى أداة بيد موسكو.

عندما تعرقل هنغاريا العلاقة المتنامية بين أوكرانيا والغرب، وخصوصاً عمل لجنة أوكرانيا-حلف شمال الأطلسي، تخدم مصالح بوتين بالتأكيد، فتسعى روسيا إلى إبقاء أوكرانيا في حالة ضياع مستمرة، عاجزةً عن الانضمام بالكامل إلى الغرب وغارقةً في فوضى أقلية حاكمة فاسدة سياسياً واقتصادياً.

سيستخدم بوتين كل الوسائل المتاحة له ليحقق هذه الغاية. وفي الوقت الراهن على الأقل، يزوّد رد فعل هنغاريا تجاه قانون اللغة الأوكراني الكرملين بأداة قيمة.

* جيمس جاي كارافانو ودانيال كوشيس

*«ريل كلير ورلد»