لا أناقش في هذه المقالة تفاصيل حادثة ما يُطلِق عليه البعض دخول مجلس الأمة، أو ما يسميه البعض الآخر اقتحام مرفق عام، ولست قاضياً أو محامياً لأناقش تفاصيل القضية ونصوص القوانين التي تطبق عليها، وإن كنت متعاطفاً مع مَن دانهم القضاء في تلك القضية، ولكن أنا مهتم بدستور البلد، والحفاظ على المؤسسات، وفصل السلطات، ومستقبل الديمقراطية، ونزاهة هذه المؤسسة ومَنْ يشرع للوطن من خلالها.

لذلك لا يمكن لأي شخص ذي منطق واطلاع أن يتصور أن تلغي سلطة صميم اختصاص سلطة أخرى وهي القضاء، فإبقاء نائبين محكوم عليهما حكماً قضائياً باتاً في عضوية مجلس الأمة هو فعلياً إلغاء لآثار حكم السلطة القضائية، ومهما صدرت دراسات وآراء فقهية تجيز ذلك فهو لا يستوي مع صحيح المسار القانوني ودولة المؤسسات وفصل السلطات، ولا مع العقل والمنطق السليم، فهذه السابقة ستؤسس لبقاء مختلس ومعتدٍ، وربما قاتل في عضوية مجلس الأمة في المستقبل.

Ad

ورغم احترامي للنائبين جمعان الحربش ووليد الطبطبائي فإن نظام بلد ودستوره لا يمكن أن يجيرا من أجل أشخاص مهما كان قدرهم ومكانتهم، وهناك رموز ورجال دفعوا أرواحهم للحفاظ على مبادئهم ومصالح بلدهم، وعاشوا في المنافي، بل وفي السجون، سنوات طويلة حتى لا تسقط مبادئهم والقضايا التي يناضلون من أجلها.

أعلم أن مجلس الأمة الكويتي أصبح مسرحاً للصفقات السياسية بين السلطة والنواب، وربما تكون السلطة منسجمة مع قرار رفض إسقاط عضوية الحربش والطبطبائي، ليبقى في المجلس نواب بأحكام قضائية، وتجد نقيصة تبرر للشعب من خلالها ما يروجه بعض أطرافها من أن الحياة الديمقراطية في الكويت "عبثية" ومصلحية، وأن هذه الديمقراطية تُخرّب أكثر مما تصلح، كما أن الحكومة بهذا الفعل ستروّض مزيداً من معارضيها، وستجعل مجلس الأمة "هايد بارك" لا أكثر.

لذا فإن الحريصين على هذه الممارسة الديمقراطية والمؤمنين بأن الحياة البرلمانية الكويتية ستعود يوماً إلى سابق عهدها وتُنقى في المستقبل من كل الموبقات التي تعانيها اليوم، عليهم أن يقاوموا تكريس تلك السابقة بكل الوسائل المتاحة، والندوات والتحرك الشعبي حتى الوصول إلى المحكمة الدستورية، إن لم تعارض الحكومة ذلك وتلجأ إلى أدواتها القانونية لوقف آثار قرار تثبيت العضوية لمن فقد شروطها.

***

عندما طرحتُ رأيي المعارض لعدم إسقاط عضوية النائبين المذكورين سابقاً في وسائل التواصل الاجتماعي، تعرضت لنقد شديد، وسخرية من البعض، لأنني أجلس خلف المكتب بينما النواب كانوا في الساحات يقاومون قضايا الرشاوى السياسية وتضخم حسابات السياسيين البنكية. عملياً أقول إن من يعرض نفسه على الناس كنائب عنهم للدفاع عن حرياتهم ومصالحهم هو شخص بالغ وواعٍ لنتائج نضاله ودفاعه، ويُفترض أن لديه الشجاعة لتحمل عواقب ذلك، والذي يريد أن يكون مناضلاً وزعيماً سياسياً يعرف ثمن ذلك، وبعضهم يفقد حياته من أجل مشروعه الوطني، ولكنهم لا يمنون على أوطانهم وشعوبهم، فأنا اخترت القلم لأنني ربما لا أمتلك مؤهلات المناضل أو النائب، فأنا أدفع ثمن خياري، وعلى الآخرين أن يدفعوا ثمن خياراتهم أو يستسلموا وينسحبوا كما فعل آخرون من قبلهم.