يبدو أن عوامل السرعة والوفرة وتطور الاتصالات امتصت بهجة الاستمتاع بأشياء هي في مقاييس اليوم تعتبر بسيطة جدا، من يصدق أن لعبة خشبية أو دباً مصنوعاً من القطن يحملان طفلا إلى عالم الخيال لساعات طويلة ولا يعود منه إلا لينتقل إلى عالم الأحلام وهو نائم؟ من كان يتوقع من عشاق ومدمني (الجنجفة) أو (الكوتشينة) أن يتلاشى هذا الالتحام اليومي الصاخب بين لاعبين وجمهور من حولهم بسبب جهاز صغير وفّر اللعبة نفسها في العالم الافتراضي من دون ضجة وصياح.

جهاز الفاكس الذي كان لوقت قريب يعد ثورة صرنا نستحي من استعماله علناً وذكره في مراسلاتنا، تلفون المنزل ما أحلاه وما أبرده على الأذن حين نستعمله بلا تقطيع أو تشويش هجرناه عن عمد وحاله أقرب ما تكون للديكور، التلفزيون الذي لم يزل محافظا على حضوره وتأثيره اكتشفنا مؤخرا أنه فقد القدرة على جمع أفراد الأسرة من حوله، والسبب ليس وجود أكثر من تلفزيون في المنزل، ولكن بسبب الهوس المتأجج بمتابعة كل البرامج على شاشة الهاتف الضيقة بما فيها مباريات كرة القدم!!

Ad

الوفرة في أشياء كثيرة، وهي نعمة لا يمكن إنكارها، طحنت المناسبات في نمط باهت من الفرحة السريعة والجوع المتواصل للصرعات الجديدة، فلا ملابس العيد هي التي نعرفها ولا "اللقيمات" تؤكل حصرا في رمضان، كل شيء متوافر في كل وقت ولولا اختلاف المواسم ودرجات الحرارة لما عرفنا الصيف من الشتاء.

السرعة سحر لا يقاوم في الانتقال والتنقل ووصول المعلومات، ولكن ما الذي حدث؟ السفر لم يعد حدثا إلا لأقصى الأماكن، والصحف تدخل يوميا في معركة خاسرة بين سلحفاة وغزال، لقد تاهت القهوة في عالم السرعة، فمن يشربها تحول للموكا، والصحف لا تجد من يطالعها برفقة فنجان القهوة.

إنه عالم جديد بالتأكيد ومن سيقف في وجهه سيُطحن، ولكن ما الذي يجبرنا أن نفقد أنفسنا وتواصلنا كبشر، بعد أن فقدنا طعم الأشياء البسيطة؟ إن شيئا متبقيا داخل الناس يسحبهم نحو الماضي بدليل حرصهم على استدعاء بعض علامات الماضي داخل الحواضن الرقمية، ولكن سرعان ما تنهار تلك الحالة من الحنين لكي يعودوا إلى حالة المراوحة بين الإنسان والآلة، فلا هم بشر ولاهم آلة، إن الحياة عندما تخلو من النكهة تصبح هي الموت بجسد على قيد الحياة.