يقدم مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي لجمهوره هذا الأسبوع تجربة فنية جديدة في حفل شريعيات. الحفل الذي يحتفي بالموسيقار الراحل عمار الشريعي من خلال تقديم مجموعة مختارة من أعماله، إضافة إلى مقاطع مرئية تكشف لنا أكثر عن مسيرته وموسيقاه. ويجتمع في هذا الحفل الفنان عبدالله الرويشد، حيث يقدم مجموعة من أعماله التي لحّنها له الشريعي، والفنانة ريهام عبدالحكيم، وأوركسترا الاتحاد الفيلهارموني بقيادة المايسترو نادر عباسي. يُقام الحفل يومي الخميس والجمعة، 1 و2 نوفمبر في المسرح الوطني.
عمار الشريعي
اعتبر عمار الشريعي واحداً من أعمدة الموسيقى في مصر، له علامات وبصمات في الموسيقى الآلية والغنائية المصرية، إضافة إلى الموسيقى التصويرية لكثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وذلك رغم أنه ولد كفيفا.امتلك الشريعي مدرسة موسيقية خاصة به وحده بين الموسيقيين العرب، واستطاع أن يعزف على عدة آلات بجودة عالية جدا مثل الأكورديون والبيانو والعود وأيضا الأورغ الذي أدخل عليه نغمة "الربع تون" الشرقية.وقد ترك إرثا موسيقيا ضخما يقدر بأكثر من 300 لحن أغنية لأكبر المطربين في مصر والعالم العربي، والموسيقى التصويرية لـ50 فيلما سينمائيا، وتترات وأغنيات وموسيقى تصويرية لنحو 150 مسلسلا تلفزيونيا، و20 عملا إذاعيا، وقام بتلحين 10 مسرحيات، وألّف كونشيرتو لآلة العود عزفه مع أوركسترا عُمان السيمفوني. وبكل هذا التراث الموسيقى العظيم يصنف عمار الشريعي ضمن أعلى القامات الموسيقية العربية.نبوغ مبكر
ولد عمار علي محمد إبراهيم علي الشريعي، في 16 أبريل 1948، بمدينة سمالوط إحدى مراكز محافظة المنيا لعائلة ثرية تنتمي إلى قبائل "هوارة" بصعيد مصر. عشق الموسيقى منذ نعومة أظفاره، ولم يمنعه حرمانه من نعمة البصر من أن يتعلم العزف على آلة البيانو، وكان حينها في الثالثة من عمره، حيث قامت ابنة عمه بتعليمه عن طريق تسمية النغمات بأسماء أصابع اليد.واستكمل عمار تعليم نفسه العزف على البيانو والأكورديون بالطريقة السماعية، ونجح في عزف كثير من النوتات العربية الصعبة وهو في عمر صغير. التحق عمار بالمركز النموذجي لتعليم وتأهيل المكفوفين في القاهرة، حيث تأسس تأسيسا قويا؛ سواء في التحصيل العلمي لعلوم الموسيقى، أو الممارسة العملية.تعلّم التدوين الموسيقي وعمره سبع سنوات، وفي التاسعة ألّف أول ألحانه بعنوان "أمي" التي أهداها لوالدته. وعندما بلغ من العمر 14 سنة، كان يعزف على آلة العود التي عرف من خلالها أسرار الموسيقى العربية ومقاماتها وكل فنونها، وبدأ يطور نفسه بنفسه، وكان من أشد المعجبين بالموسيقار فريد الأطرش.بزوغ نجم
اتجاه الشريعي إلى احتراف عزف الموسيقى، عرّضه لغضب أهله عليه، وتوقفهم عن إمداده بالمال الذي كان يدبر به أمور حياته في القاهرة، وعندما علِم الأطرش أن أحد أفراد عائلة الشريعي يحترف العزف، وأن العائلة لا ترغب في ذلك، وكان صديقا للعائلة، نظم حفلة في منزله على شرف عمار، ودعا أعمامه للحفلة، ووصفه بأنه "موسيقار كبير"، وعزف الشاب حينها على آلتي الأكورديون والعود.وبالرغم من أن عمار الشريعي ينتمي لواحدة من أكبر العائلات في محافظة المنيا، فإنه صعد السلم من أوله، حيث عمل في بداياته بالملاهي الليلية. فبعد حصوله على ليسانس اللغة الإنكليزية وآدابها من كلية الآداب عين شمس (1970)، عمل عازف أكورديون في الملاهي الليلية، ثم عازفا في "الفرقة الذهبية"، واتجه فيما بعد إلى التلحين والتأليف الموسيقي، حيث كان أول ألحانه "امسكوا الخشب" للفنانة مها صبري (1974).في ذلك الوقت انتشرت آلة الأورغن، فتعلّمها الشريعي وبزغ نجمه فيها كأحد أبرع عازفي جيله، واعتبر نموذجا جديدا في تحدي الإعاقة، نظرا إلى صعوبة وتعقيد هذه الآلة واعتمادها بدرجة كبيرة على الإبصار.ألحانه وموسيقاه
تعاون الشريعي منذ بداياته مع كبار المطربين أمثال وردة، وشادية، وميادة الحناوي، كما تعاون مع المطربين الشباب آنذاك، مثل عفاف راضي، ومحمد ثروت، ونادية مصطفى، ومن نجوم الخليج عبدالله الرويشد الذي لحّن له 4 أغنيات. فقد كان الموسيقار الموهوب المغذي الرئيس لأغاني أشهر المغنين على مدار عقود من الزمن، مما يكشف عن عبقريته وقدرته على موازاة جميع الحقب الموسيقية وتغييراتها.كان الشريعي ضمن الموسيقيين الذين لديهم بصمة خاصة على ألحانهم، ويظهر هذا جليا في الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات التلفزيونية، التي اعتبرها الموسيقار الكفيف تحديا، حتى لقبوه بساحر الموسيقى التصويرية. ويقول في أحد حواراته: "عندما طرح اسمي لوضع موسيقى تصويرية لفيلم سينمائي، سخر البعض متسائلين: كيف يضع كفيف موسيقى تصويرية لفيلم مصور؟". أبرز أعماله في مجال الموسيقى التصويرية للأفلام: حب في الزنزانة، والبريء، وكتيبة الإعدام، ويوم الكرامة، والأراجوز، والبداية، وحليم.أما المسلسلات فمنها: دموع في عيون وقحة، ورأفت الهجان، والشهد والدموع، وقال البحر، وزيزينيا، والراية البيضا، وعصفور النار، وأم كلثوم، وما زال النيل يجري، والأيام، ورحلة السيد أبوالعلا البشري، والنديم، وأرابيسك، وحديث الصباح والمساء.لمسة وفاء
بعد وفاة عمار الشريعي بعام واحد، قدم الرويشد له إهداء خاصا في ألبوم "متى بنساك" (2013)، حيث وضع داخل الغلاف صورة له تبيّن مدى الصداقة الكبيرة بينهما، وكتب بجانب صورته عبارة رائعة تقول: "إلى عَرَّابِ الموسيقى العربية.. الراحل عمار الشريعي.. هذا العمل لم يحمل اسمك، بل روحك ساكنة دائما في أعمالي... أخوك عبدالله الرويشد". وفي مارس 2013، شهور قليلة بعد رحيل الشريعي، شارك في إحياء سهرة فنية بعنوان "في حب عمار الشريعي"، في أكاديمية الفنون بمصر، بحضور عدد كبير من نجوم الغناء في الوطن العربي.