شعور بالخسارة ينتابني كلما قرأت رواية أو ديوان شعر أو كتاب سيرة، وأعجبت به، وتمنيت لحظتها لو أني تعرفت على المؤلفة أو المؤلف له، ويكون شعوري "بالتحسف" والخسارة أكبر عندما أدرك أنه كان بالإمكان التواصل معه ومعرفته أكثر عن قرب، وأيضاً يتعاظم شعوري بالندم عندما يكون متوفى، واكتشف أننا قد تشاركنا الزمن ذاته، وكان من السهولة أن أقوم بخطوة التعارف التي فات أوانها بإهمالي وتأخري.

عندما قرأت سيرة "الذاكرة المنسية" للكاتبة المغربية، الزهرة رميج، انتابني هذا الشعور، الإحساس بالخسارة أني لم أتعرف عليها بشكل أقرب وأفضل، والسبب كان كبر الملتقى والعدد الكبير من المبدعين الموجودين فيه، ولم يسمح لنا قصر الوقت بالتقارب بشكل أوسع وأكبر.

Ad

خسارة أن نتعرف على الآخر بعد مغادرته، ونتمنى لو كنا عرفناه قبل أن نقابله، أقصد لو كنت قد قرأت أي عمل للكاتبة الرميج وعلى وجه الخصوص سيرتها، لكنت تحاورت معها بشكل أدفأ وأعمق من تلك المعرفة القصيرة الخاطفة، ولتمتعت بمعرفتها وأدركت جوانب أكثر من شخصيتها اللطيفة ومن حياتها البدوية المتفردة.

وبصراحة، أنا ممتنة لملتقى الشارقة للسرد الذي عرفني على مبدعين ما كنت أظن أني سأتعرف عليهم من قبل هذا الملتقى.

نأتي إلى كتاب "الذاكرة المنسية" للزهرة الرميج، وهو سرد لسيرة طفولتها وحتى تخرجها في الجامعة، كتابة السيرة بشكلها الحقيقي والمباشر المعني بكاتبها في وطننا العربي قد تكون شبه نادرة خاصة بالنسبة إلى النساء، وعادة وقائع حياة الكتاب تكون مخفية في شخصيات أبطال رواياتهم وأعمالهم الكتابية، وأحيانا تتحول إلى رواية بحد ذاتها، مثلما فعلت حينما كتبت روايتي "الجميلات الثلاث" لأسباب عائلية لم أجعلها سيرة حقيقية للوالد وحياته، فكتبتها كرواية وهي في الواقع تصلح تماماً للعمل الروائي، خاصة أنها مرتبطة بتاريخ المنطقة.

الزهرة الرميج جاءت بسيرة عائلتها البدوية القبلية بشكل واضح، وألقت ضوءاً كبيراً على حياة بدو المغرب الذين لم أتوقع وجودهم فيها، ووجدت عاداتهم وتقاليدهم فيها الكثير من عادات وتقاليد القبائل الخليجية، وحتى الحضر أيضاً، وإن كان هناك اختلافات في الوعي الحضاري أكبر من الخليج بسبب الانفتاح على التعليم ووجود الاستعمار الفرنسي.

السيرة كشفت الحياة الريفية الهادئة في البادية المغربية، وبساطة العيش في بيتها الواقع على الطريق الرابط بين مدينة خريبكة وسد زمرين.

وبينت بدايات التعليم في "ليبرات"، وكيف كان أعمار الطلاب بذاك الوقت من خمسينيات القرن الماضي، حيث اختلطت الأعمار من 5 سنوات إلى 20 بفصول الابتدائية، وهو أمر مضحك جداً: "كان أكبر تلميذ في المدرسة في حدود العشرين من عمره، حيث كان التلاميذ ينادونه بـ "جدي"، وقد ارتبطت ذكراه عندي بهذا المشهد: كنا بساحة المدرسة، وقت الاستراحة، وكان جدي بجلبابه الصوفي، يبدو كعملاق في مدينة الأقزام، إذ كان مفرط الطول، نحيلا، فجأة، سمعنا أحد التلاميذ يصيح به: جدي، جدي! لقد وضعت زوجتك مولودا".

أحاط التلاميذ بـ "جدي" بهرج ومرج، يهنئونه بمولوده الجديد!

أما أكبر تلميذ درس معي بالفصل، فقد كان عمره في حدود الثامنة عشرة، فكان والده يناديه أثناء الدرس، للقيام بأعمال فلاحية، أو لمساعدته في شؤونه اليومية، والظاهر أن المعلمين ما كانوا يستطيعون وضع حد لمثل ذلك التصرف الذي يحرم التلميذ من متابعة دروسه بانتظام، ويشوش على السير الطبيعي للعملية التعليمية، وخاصة أن أهالي التلاميذ كانوا يزودون المعلمين بما يحتاجون إليه من خضراوات وفواكه وحليب وزبدة وبيض ودجاج، وما إلى ذلك".

السيرة تقدم معلومات طريفة وغريبة للعادات والتقاليد البدوية القبلية، مثل القيام بوضع حلي العقارب السوداء في معاصم الرضع، والأحجبة الواقية بأعناق الكبار والصغار، وتعليق صفائح الخيل على مداخل البيوت، أو رسم اليد بالحناء على الأبواب، خوفاً من الحسد.

بينت الكاتبة الفرق بين جودة التعليم الحكومي في زمنها وتفضيله على التعليم الخاص الذي كان يقبل الطلبة الذين يأتون بمعدلات ضعيفة، وما ذكرته من مقارنة يبين الفرق الشاسع بين التعليم في زمنها، خاصة بالأقسام الداخلية والمستوى الحياتي والتعليمي وجودتهما عن الوقت الحالي الذي تقوم فيه بالتدريس في المدارس المغربية، وتتساءل عن أسباب تراجع التعليم في المدارس الحكومية، وأظن سؤالها هذا ينطبق أيضا على حال مدارسنا الحكومية في الكويت وتراجع التربية والتعليم فيها عن الزمن الذي درسنا فيه.