في 28 سبتمبر أمرت وزارة الخارجية الأميركية بإغلاق قنصليتها في محافظة البصرة الغنية بالنفط جنوب العراق بصورة مؤقتة بعد استهداف المُجمّع بنيران الصواريخ، وأثارت الخطوة الحيرة لأن القنصلية العامة في البصرة مصممة خصيصاً لمقاومة مثل هذه الهجمات، وما يثير القلق أكثر هو أنها توجّه رسالة خاطئة إلى كلّ من إيران وحلفاء الولايات المتحدة عن حملة «الضغط الأقصى» التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب ضد طهران، مما يشير إلى أن واشنطن قد لا تكون مستعدة لمواجهة حتى الحد الأدنى من أوجه الانتقام الإيراني، وتدعو الرسالة أيضاً إلى شنّ مزيد من الهجمات، مما قد يضاعف فشل أميركا المتكرّر في الرد على إيران أو وكلائها عند استهدافهم المرافق الأميركية.

في 7 سبتمبر نهب وأحرق شباب عراقيون القنصلية الإيرانية في البصرة والمكاتب المحلية لـ«عصائب أهل الحق»، الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران، ومنذ ذلك الحين، تقوم الميليشيات الوكيلة لطهران بمضايقة الدبلوماسيين الأميركيين وتهديدهم بسلسلة من الهجمات الصاروخية.

Ad

وبعد ساعات قليلة من آخر ضربة استهدفتها أعلنت واشنطن عزمها على تعليق عملياتها في البصرة وسحب دبلوماسييها مؤقتاً، ثم جددت وزارة الخارجية الأميركية التنبيه من السفر إلى العراق، وحثّت الأميركيين على الامتناع عن زيارة البلاد، وكررت تحذيرها بأن «المواطنين الأميركيين الموجودين في العراق معرّضون بشكل كبير لخطري العنف والاختطاف».

لا شك أن إغلاق القنصلية الأميركية العامة في البصرة كان بدافع الحذر لحماية الموظفين الأميركيين، فالميليشيات المدعومة من إيران تزداد قوةً في المنطقة يوماً بعد يوم، مما يزيد خطر تعرّضهم للاختطاف، ويجعل التعامل مع الجهات العراقية المعنية أكثر صعوبة على الطاقم القنصلي. كما أن خطر التعرض لضربات صاروخية منتظمة أو حتى لهجمات من جانب المتظاهرين المدعومين من الميليشيات هو خطر فعلي، وقد تُثبت قوات الأمن العراقية أنها غير مستعدة للدفاع عن القنصلية ضد التهديد الأخير، بقدر ما سمحت لمثيري الشغب باجتياح القنصلية الإيرانية في البصرة في 7 يونيو والقنصلية التركية في الموصل في عام 2014، من بين حوادث شبيهة أخرى.

إلا أنّ أيّاً من هذه المخاطر لا يبدو كافياً لإغلاق القنصلية الأميركية في البصرة، نظراً لإمكان تخفيفها أو القضاء عليها، ويمكن منع عمليات الاختطاف عبر إغلاق القنصلية مؤقتاً وإقامة الفعاليات بداخلها أو بالقرب منها، داخل مجمّع المطار مثلاً المتمتع بدفاعاتٍ خاصة وبضوابط خاصة للدخول، وخلافاً للقنصليات الإيرانية والتركية التي تم اكتساحها، تقع القنصلية الأميركية في البصرة خارج المدينة ضمن مجمّع المطار، الذي يمكن تعزيز دفاعاته بشكل مؤقت من قوات النخبة العراقية (كدائرة مكافحة الإرهاب أو قوات الرد السريع من قيادة عمليات البصرة).

اختبار استعداد الحكومة العراقية لتقديم مثل هذه الحماية أنسب من إعطاء الأمر بانسحاب جميع الموظفين الأميركيين، ولا ينبغي اللجوء إلى إخلاء القنصلية إلا إذا كانت البيئة غير مستقرة إلى حد كبير، وإذا كانت الحكومة المضيفة غير قادرة على تحمل تكاليف تعزيز الأمن أو غير راغبة تماماً في ذلك، وليس الأمر كذلك في الوقت الحاضر.

برغم أن الهجمات الصاروخية مقلقة إلا أن قنصلية البصرة صُممت خصيصاً لمواصلة أعمالها في ظلّ هذا النوع من القصف، فالأميركيون والبريطانيون المتمركزون قرب مطار البصرة منذ أكثر من عشر سنوات صمدوا خلالها أمام لحظاتٍ كان سقط فيها فوق رؤوسهم أو بالقرب منهم ما يصل إلى أربعين قذيفة في الليلة الواحدة، وقد بقي هؤلاء في البصرة ليظهروا أن شركاء التحالف في العراق لن يستسلموا للترهيب ويتخلّوا عن المدينة للميليشيات، ومع ذلك كانت خمسة صواريخ في شهر واحد في الوقت الحالي كفيلة بدفع أميركا إلى حزم حقائبها.

وحتى إذا وضعنا جانباً التأثيرات الرمزية الجسيمة ثمّة تداعيات خطيرة من بقاء القنصلية مغلقة، مما يكبّد الولايات المتحدة والشركات الأميركية تكاليف باهظة مع خسارة فرص سياسية واقتصادية عديدة في هذه المرحلة الحيوية. وأظهر العراقيون الشهر الماضي غضبهم على إيران في البصرة عبر مهاجمة قنصليتها وسط المدينة، والتي طالما شكّلت رمزاً لجرأة الجمهورية الإسلامية في مدينةٍ عانت وطأة الحرب بين إيران والعراق. ولكن عوضاً عن إظهار التزامها مع أهالي البصرة الفقراء والمستائين، تسمح واشنطن لنفسها بالتعرض للمضايقة لإرغامها على الانسحاب، وبدأت الدبلوماسية الأميركية للتوّ بإحراز تقدّم هناك بقيادة القنصل العام النشط والفعال تيمي ديفيس، وإذا لم يُعد فتح القنصلية قريباً، تساعد واشنطن عملياً طهران في إحكام قبضتها على أحد أكثر المواقع غنىً بالغاز والنفط في العالم.

وتعتبر قنصلية البصرة ضرورية أيضاً للاستثمارات الأميركية المتنامية في مجال الطاقة في جنوب العراق، فبعد البداية البطيئة التي شهدتها عدة شركات مثل «شيفرون»، و«إيكسون موبايل»، و«جنرال الكتريك»، و«أوريون غاز»، أخذ يزداد اهتمام هذه الشركات بكسب مليارات الدولارات من الأعمال التجارية المحلية، وقد عقد مؤتمر رئيس للاستثمار في البصرة في إسطنبول بين 9 و10 أكتوبر لهذا الغرض. والتخلّي عن هذه الفرص لمصلحة شركات صينية وإيرانية وروسية أمر مروّع كون الولايات المتحدة أنفقت 1.5 ترليون دولار في العراق قبل انسحابها العسكري عام 2011، ومع هذا تم إجلاء الدبلوماسيين الأميركيين، وفي المقابل فإن إعادة قنصلية البصرة إلى نشاطها الكامل يوجّه رسالة قوية تُطمئن الشركات الأميركية التي تشعر بالحذر فعلاً حول الاستثمار في العراق.

وتبذل الشركات الأميركية جهوداً لإعادة توجيه الكمية الهائلة من الغاز الطبيعي التي يهدرها العراق بسبب الاحتراق، ولن يسهم استخدام هذا الغاز في مساعدة بغداد على تلبية احتياجات الطاقة خلال فترات الذروة الصيفية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تخفيض مبلغ الـ100مليون دولار الذي ينفقه العراق شهرياً لقاء الغاز الإيراني، وهي مدفوعات كان يتم تحويلها في الماضي إلى «الحرس الثوري الإيراني» و«حزب الله».

توصيات للسياسة الأميركية

على وزارة الخارجية الأميركية العمل للحصول على ضماناتٍ ثابتة من الحكومة العراقية التي ستشكّل قريباً بشأن توفير تعزيزات أمنية إضافية للقنصلية في البصرة، والمطار، ومناطق الأهوار الشرقية التي كثيراً ما تستخدم لإطلاق الصواريخ. كما ينبغي عليها التعامل مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي ورئيس الوزراء المقبل عادل عبدالمهدي في الجهود الهادفة إلى ضمان كوْن الموظفين الأميركيين في مأمن من الاختطاف، وحين تحصل واشنطن على هذه الضمانات، يجب أن تسارع إلى الإعلان عن عودة دبلوماسييها إلى البصرة.

إذا كانت لدى الحكومة الأميركية مخاوف على نطاق أكبر بشأن فعالية تكلفة وجودها في البصرة، فيجب فصل هذه المسألة عن كيفية تفاعلها مع الترهيب المدعوم من إيران، ففي حين يمكن تبرير إقدامها على تعديل وجودها فإن هذا الوقت ليس مناسباً للانسحاب، وإذا لزم الأمر يمكن للموظفين القنصليين العمل مؤقتاً مع إبقاء الحد الأدنى منهم في القنصلية، بحيث يكون وجودهم على الأرض محدوداً، في حين يقومون بجهود عالية في مجال العلاقات العامة للتأكيد على الالتزام الأميركي تجاه البصرة، وتنفق الولايات المتحدة أكثر من 250 مليون دولار سنوياً على هذه القنصلية الاستراتيجية غير المستخدمة بشكل كبير، ولكن يمكن استرداد هذه الكلفة بعشرة أضعاف إذا فازت شركة طاقة أميركية حتى بمشروع واحد متوسط الحجم في مجال البنى التحتية.

والأهم من ذلك، فإن الوجود الأميركي الذي يمثل الحكومة برمتها في البصرة سيمنع إيران من تحقيق أي نصر دعائي لها هناك، ويتصدى لنفوذها المحلي، ويقلل المكاسب المالية التي تجنيها من صادرات الغاز إلى العراق. وإذا كانت واشنطن جادة في الضغط على طهران، فعليها إثبات قدرة الولايات المتحدة على الصمود بوجه الانتقام، وألا ترسل إشارة واضحة للعراقيين والإيرانيين وغيرهم من الأطراف المعادية لها والمتعاطفة معها على حدٍّ سواء في الشرق الأوسط بأنّ أميركا عرضة للترهيب.