أظن أن تاريخ معرفتنا وخبراتنا في فهم الحب أوقعتنا في فخ لم نستطع الفكاك منه منذ قديم الزمان، وكثيرا ما أودى هذا الفهم الملتبس بحياة كثير من قصصه، وتحديدا فهمنا للعلاقة بين الحب والاعجاب.

ظللنا نؤمن حتى يومنا هذا بأن الإعجاب عتبة في الصعود إلى الحب، وأنه المرحلة التي تمهّد له، وما زلنا نجزم بأن الحب لا يمكن أن يولد من خارج رحم الإعجاب، سواء كان هذا الإعجاب ممثلا بصفات معنوية في شخصية المحبوب أو حسية كقول ابن الجهم:

Ad

عيون الهوى بين الرصافة والجسر/ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري!

أو كقول أبي نواس:

يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة/ والأذن تعشق قبل العين أحيانا!

فالإعجاب بالعيون أو الصوت أو أي جمال محسوس آخر سبب لجلب الهوى والعشق بالنسبة لنا وإشعال جذوة الحب، فابتكرنا ما يسمى بالحب من أول نظرة، وأول كلمة، وأول ضحكة، تلك "الأوليات" التي تضيء كلمعة برق مفاجئ ينير ليلا دامسا، أو صاعقة تشعل الحريق الكبير، وعلى هذا المنوال دأب كثير من أدبياتنا في الحب على تأسيس الفهم بأنه لابد أن نعجب بشيء ما في شخص آخر حتى ينتهي هذا الإعجاب بولادة الحب المبني على ذلك الشعور، ومستندا في الأساس عليه، وكأن الأول شرط لوجود الثاني، والثاني شرط لبقاء الأول، وهذا الفهم الخاطئ أدى إلى خطيئتين كبيرتين نرتكبهما، الأولى هي أننا غالبا سنعتاد مع مرور الوقت ما كان يعجبنا، خصوصاً إذا كان ما يعجبنا صفات حسيّة، والتي تصبح مألوفة في حال التعاطي معها بشكل يومي فتفقد الكثير من الانبهار بها شيئا فشيئا، إلى أن يصاب الحب بالسكتة القلبية، الخطيئة الثانية التي نرتكبها نتيجة هذا الفهم أنه حين يكون مصدر الإعجاب صفات معنوية في شخص المحبوب فإن شعور الإعجاب بتلك الصفات يزول حال زوال الحب، لأسباب ليس لها علاقة بها، بينما كان من الممكن أن تبقى تلك الشمائل والخصال الحميدة في شخص المحبوب، لا تشيخ ولا يعتريها الذبول حتى وإن زال الحب، فالحنان لا يشيب، والشهامة لا تفسدها التجاعيد، والسماحة لا تصاب بمرض "الباركنسون"، فهذه الصفات جوهرية في ذات الإنسان، وتعبّر عن نفسها بصور عدة وأشكال مختلفة، وستبقى كما هي في نظرنا لو أننا لم نربطها ربطاً قسرياً بالحب، ولو لم تكن هي حجر الأساس الذي قام عليه، فكثير من حكايات الحب كان مآلها ذلك المصير التراجيدي نتيجة لهذه "التلازمية" بينهما، فالإعجاب ليس المرحلة الأولى للحب، وليس الرحم الذي يولد منه، وإنما هو شعور مستقل بذاته قد يكون مصاحبا له، وقد يتخذ مساراً مختلفاً عنه في منتصف الطريق، لكنه حتماً ليس من المفترض أن يبقى لبقاء الحب، وأن يزول بزواله، وليس شرطاً أبداً أن يكون لهما ذات المصير!

فليس من الحكمة في رأيي أن نطلق على الشجرة الرصاص إن طار الحمام!