رغم معاناته مع المرض وكبر سنه فإنه أبى إلا أن تكون له بصمة في تغيير واقع التعليم بالبلاد وإحداث نقلة نوعية يترقبها الجميع بالوصول إلى جيل متعلم ومتمكن من مهارات لغته الأم العربية، التي وصل حال البعض فيها "إلى عدم التمييز بين التاء المفتوحة والمربوطة، وما نشاهده في بعض وسائل التواصل الاجتماعي التي غزت الكون من أخطاء إملائية سببها ضعف اللغة عند الكثيرين بكل أسف".

هو حمزة الخياط مدير مركز الإبداع اللغوي، الذي قاوم المرض وأعراضه، وقام بجهوده الشخصية بتأليف الموسوعة الإملائية للصغار، والتي يأمل أن تكون الحدث الذي من خلاله يتغير حال الطلاب وخاصة الصغار، ليتمكنوا من لغتهم العربية الأم ويتقنوها بما يشكل عامل قوة لهم في مستقبلهم الدراسي.

Ad

وأكد الخياط، في حوار مع "الجريدة"، أن الفكرة راودته منذ سنوات بتأليف مناهج مغايرة للمناهج التي تستخدمها وزارة التربية في تعليم الطلبة الصغار مبادئ اللغة العربية، والتي يرى أنها جامدة وتفتقر إلى عناصر التشويق وإحداث البهجة والإبداع التي يمكن أن تعزز حب اللغة في نفوس الطلاب الصغار في هذه المرحلة العمرية.

وأوضح أنه قام بتصميم مناهج مختلفة عن مناهج الوزارة، واستخدمها في مركزه لتعليم الطلبة الصغار في مراحل التعليم المبكرة، وأحدثت فارقا كبيراً.

وأضاف أن 100 ألف نسخة من الموسوعة سيتم توزيعها على أولياء أمور طلبة المدارس الابتدائية الحكومية، بدءا من 27 الجاري، في مقر الجمعية الثقافية النسائية بالخالدية، ثم يتم توزيع النسخ المتبقية لطلبة المدارس الخاصة من الوافدين و"البدون" وغيرهم ممن يرغبون في الحصول عليها.

وأشار إلى أن مناهج التربية تفتقر إلى عنصر التشويق والبيئة الجاذبة، وخاصة فيما يخص الإملاء مع وجود أطفال أذكياء وجيل "الآيباد"، وفيما يلي تفاصيل الحوار:

• بداية، ماذا عن فكرة الموسوعة، وكيف بدأت؟

- حقيقة، أنا كنت أعمل في وزارة التربية، وتدرجت في سلك التعليم لسنوات طويلة، إلى أن خرجت منها لأسباب عديدة، وأردت أن يستفيد الناس من تجربتي وخبراتي في التعليم، لذا قمت بإنشاء مركز الإبداع اللغوي الذي أطمح من خلاله إلى تعليم الطلبة الصغار مبادئ اللغة العربية بشكل مبسط وسلس، يساهم في تقويتهم وتعريفهم بلغتهم الأم، مما سيساعدهم في استكمال مشوارهم التعليمي فيما بعد، حيث إن اللغة العربية هي المرتكز الرئيسي لتعليم بقية المواد الدراسية.

وبعد أن لاحظت وجود ضعف لدى معظم طلاب المدارس فيما يخص اللغة العربية لوجود مناهج جامدة وتفتقر إلى عناصر التشويق والترغيب، فكرت مليا في تأليف مناهج تتناسب مع قدرات الطلاب في المراحل العمرية المبكرة، وقمت بذلك فعلا في المركز.

ودفعتني رغبتي في أن يشمل هذا الأمر كل طلبة الكويت إلى محاولة تعميم الفكرة من خلال الموسوعة، لتكون في متناول الجميع، كما يعلم الجميع أن الغزو الآن لا يكون عسكريا كما كان في العقود الماضية، بل أصبح فكريا أكثر، وهو يبدأ من الأطفال، لذا علينا أن نحصنهم بالعلم والمعرفة.

• كيف كانت المراحل الأولى لتأليف الموسوعة؟

- في البداية، وبعد أن قامت "الجريدة" مشكورة قبل أكثر من عام بنشر موضوع عن مركز الإبداع اللغوي وطرق التدريس التي استخدمتها فيه، وبعد أن اطلقت مناشدة إلى المسؤولين في الدولة لتبني هذه الافكار، قام رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ جابر المبارك مشكورا بطلبي وذهبت إليه، حيث اطلع على ما أقوم به من جهود في خدمة التعليم والطلاب، وأبلغته بإمكانية تأليف موسوعة متكاملة تعلم الطلبة اللغة العربية بشكل أفضل، وأبلغني آنذاك بتحمله شخصيا كل التكاليف لتأليف وطباعة وتوزيع هذه الموسوعة التي اصبحت واقعا الآن بفضل الله ثم بفضل سمو رئيس الحكومة.

المرض والعزيمة

• كيف استطعت أن تواصل عملك رغم المرض الذي تعانيه؟

- من وجهة نظري المرض ليس عائقا أمام من يمتلك الاصرار وحب العمل، صحيح أنني أعاني من مرض الباركنسون وهو صعب جدا، إلا أنني أمتلك والحمد لله عزيمة على التغلب عليه، لقد كنت أعمل طوال عام كامل على تأليف الموسوعة بأجزائها السبعة، حيث كنت أعمل ساعتين وأنام ساعتين لأتمكن من مواصلة العمل نتيجة الضغط الذي لا يتحمله جسدي.

لكنني في النهاية تمكنت من اتمام العمل وطباعة الموسوعة التي فرحت بها كثيرا، لتقديم خدمة إلى بلدي وأبنائي الطلاب الصغار، وأطمح أن أقضي من خلالها على التعثر الدراسي لديهم في مختلف المراحل.

• ما مراحل تأليف وطباعة الموسوعة؟ وكم التكلفة الاجمالية التي صرفت عليها؟

- بعد أن تكفل سمو رئيس الوزراء بتكاليف طباعتها، التي بلغت نحو 140 ألف دينار، قمت بتأليفها، وتم الاتفاق مع إحدى المطابع على طباعتها بشكل راق، واستخدام أفضل أنواع الورق لتكون مناسبة لاستخدام الطلبة الصغار، وهي الآن جاهزة للتوزيع على المستفيدين.

• ما الذي يميز هذه الموسوعة عن الكتب الأخرى التي تدرس العربية؟

- الموسوعة تعتمد على طرق حديثة في التعليم، حيث تستند إلى عنصر التشويق والمتعة وإدخال البهجة في نفوس الطلاب، وهو الأمر الذي يحببهم في طريقتها، وبالتالي في اللغة الموجودة فيها، ولأن الطلاب الصغار الآن هم جيل ذكي جدا ويستخدمون أجهزة ذكية ايضا، وهي منتشرة في كل مكان، لذا لا يمكن التعامل معهم إلا من خلال وسائل تعليم ذكية تتناسب معهم، لذلك كان لزاما إدخال عناصر التشويق والمتعة لتكون جاذبة لهم في تعلم اللغة، وأنا شخصيا أعتبر الموسوعة أول موسوعة على مستوى الوطن العربي تقدم هذا النوع من التعليم الذي يتميز بالبهجة والتشويق والتسلية والمتعة الذهنية.

الموسوعة والمناهج

• متى وأين سيتم توزيعها؟ وما الفئات التي ستسفيد منها؟

- سنبدأ توزيعها في 27 أكتوبر الجاري، وسيكون التوزيع في مقر الجمعية الثقافية النسائية بالخالدية، والبداية مع طلبة المدارس الابتدائية الحكومية، ولدينا 100 ألف نسخة، كل نسخة 7 أجزاء، وسيتقدم ولي الأمر ببطاقته المدنية سواء الأب أو الأم ليتسلم نسخة لكل طالب، بعدها سيتم توزيع ما يتبقى من نسخ على الطلبة الوافدين في المدارس الخاصة.

• ما رأيك في مناهج وزارة التربية؟ وما أبرز معوقات التعليم من وجهة نظرك؟

- الحقيقة أن مناهج وزارة التربية لا تزال دون المستوى المطلوب، وهناك الكثير من الحشو فيها وهي تعتمد على التلقين أكثر من إعطاء الحرية للطالب في التفكير والإبداع، ومن خلال متابعتي للمناهج منذ 40 عاماً لم أجد فيها أي تغيير أو جديد، خصوصاً في تعليم مهارات اللغة العربية لاسيما في طرق الإملاء التي ما زالت جامدة، مما جعل الأخطاء الإملائية شائعة بين الأطفال والكبار على حد سواء، فطريقة "افتح الكراسة واكتب ما يملى عليك"... هذه أكل عليها الدهر وشرب.

• برأيك ماذا يحتاج الطفل الكويتي حتى يبدع؟

- الطفل الكويتي هو طفل الآيباد والأجهزة الذكية والإنترنت، ويحتاج إلى بيئة خصبة تؤدي إلى تنشيط قدراته العقلية، ومناهج مسلية ومشوقة وجاذبة ومثيرة تساعده على التميز والإبداع، وإلى معلمين مؤهلين، ونظام تعليمي فعّال وقادر على مواكبة المستجدات التربوية، وإلى فلسفة تربوية تتلاءم مع خصائصه الطفولية، وتتضمن مجموعة متعددة من الانشطة الذكية لخلق بيئة تعليمية تربوية جاذبة.

• هل تواصل معك أحد من وزارة التربية؟ وهل من الممكن مشاركتك في بناء المناهج التعليمية للوزارة؟

- حقيقة استدعاني وزير التربية د. حامد العازمي قبل مدة، وأطلعته على جهودي في مركز الإبداع اللغوي، كذلك على ما تم تأليفه آنذاك من مناهج تستخدم في المركز، إضافة إلى الموسوعة الإملائية، ولاقت استحسانه، وأعرب عن دعمه المطلق لهذه الجهود، وطلب مني الانضمام إلى لجان تأليف المناهج في الوزارة، وتواصل معي وكيل المناهج صلاح دبشة، وتم الاتفاق على أن أشارك في تأليف مناهج المرحلة الابتدائية التي سيتم استحداثها قريباً.

أطفالنا أذكياء ولا تجدي معهم الطرق التقليدية

قال الخياط، إنه بعد تطبيق ما تم تأليفه في الموسوعة الإملائية على أطفال مركز الإبداع اللغوي، أكد معظم الباحثين والمفكرين وخبراء التربية، أن الطفل الآن أصبح ذكياً، ولا يستطيع في وقتنا الحاضر التعلم بالطرق التقليدية القديمة لأنه يعيش في عصر العولمة والرقمية والأجهزة الذكية، في حين كشفت الدراسات التأثير الإيجابي في المناهج، التي تعتمد على الإثارة والتشويق، وإدخال البهجة والقابلية الكبيرة للتعلم لدى الطلاب.

موسوعة تشويقية بجهود شخصية وخبرات متراكمة

أفاد الخياط بأنه تولى تأليف الموسوعة الإملائية للصغار بجهوده الشخصية، ومن خلال خبراته المتراكمة، التي اعتمدت على إدخال عنصر التشويق والبهجة والمتعة والتسلية الذي يرى أنها العناصر الأهم في زيادة تركيز الطالب وقدرته على استيعاب المادة وفهمها، مشيراً إلى أن زمن التلقين والحفظ والنسخ ولى مع وجود جيل ذكي يتعامل مع الأجهزة الذكية، التي أصبحت في متناول الجميع، بالتالي لا بد من مجاراته وتوفير طرق تدريس مناسبة تتضمن وسائل شرح ذكية توصل المعلومة وترسخها في عقله المتشوق للمعرفة.

المبارك تبرع بـ 140 ألف دينار لطباعة 100 ألف نسخة

كشف الخياط أن رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ جابر المبارك التقاه قبل أكثر من عام واطلع منه على جهوده في تأليف مناهج فريدة للأطفال في المركز الذي يديره لتعليمهم اللغة العربية بطريقة مشوقة بعد نشر «الجريدة» اللقاء معه، وتحمل مشكوراً نفقات تكلفة طباعة 100 ألف نسخة من الموسوعة والتي تتضمن كل واحدة منها 7 أجزاء وبلغت التكلفة الإجمالية حوالي 140 ألف دينار، وسيبدأ توزيعها على أولياء الأمور لطلبة المدارس الابتدائية الحكومية بدءاً من 27 أكتوبر الجاري في مقر الجمعية الثقافية النسائية بالخالدية.

الخياط في سطور

حمزة الخياط تربوي متقاعد، يوصف بأنه التربوي الأكثر تأثيراً في المجتمع الكويتي، حورب عندما كان يطبق أساليب غير معروفة لدى وزارة التربية، وقدم استقالته بعد 20 عاماً من الكفاح، لتتلقفه الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، التي هيأت له مكاناً لتطبيق أفكاره الإبداعية في اللغة العربية، وها هو الآن يقدم مئات الفائقين كل عام ويدخل كل بيت في المجتمع الكويتي، وأصبح حديث المجتمع في جلساتهم، وأطلقوا عليه ألقابا كـ «الساحر» و«الأستاذ المبدع» و«المعلم الكبير»، إذ استطاع أن يغرس حب القراءة في نفوس الناشئة الذين استطاعوا رغم سنهم المبكرة أن يتقنوا مهارات اللغة العربية وفنونها للمراحل الأولى من التعليم.