على الرغم من مرور ثلاث سنوات على بدء أزمة اللاجئين في أوروبا لا تزال سياسة القارة تعاني ارتباكاً وتخبطاً نتيجة عدم الاتفاق على قضية الهجرة، ويحدث هذا على الرغم من الهبوط الحاد في أعداد الأشخاص الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، 60 ألفاً بين شهري يناير وأغسطس 2018 مقارنة مع أكثر من مليون شخص في 2015 و350 ألفاً في 2016، وباختصار فإن هذه ليست مجرد أزمة أرقام بل أزمة ثقة، ويعتقد الأوروبيون أن الهجرة خرجت عن السيطرة وليس لدى قادتهم خطة حقيقية لمعالجتها على أي حال.

وفي غضون ذلك، ليس لدى رجال السياسة في أوروبا سياسة فعالة ولا رواية موحدة من أجل استعادة ثقة الناخبين، كما أن نظام اللجوء الأوروبي الموحد يعيش حالة من التمزق والتلف، وبموجب هذا النظام يفترض في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اعتماد مقاييس مشتركة لمساعدة اللاجئين. وقد تحول هذا الى مجرد خيال لأن فرنسا اعترفت بـ86 في المئة من طلبات اللجوء من العراقيين في حين اعترفت المملكة المتحدة بـ19 في المئة فقط، ومن جهة أخرى ثبت أن أنظمة دبلن التي تشترط تقدم طالبي اللجوء في أول دولة يصلون اليها ليس فعالة، وتطلبت من دول مثل اليونان وايطاليا تحمل أعباء التدفق الواسع للمهاجرين، ومن هذا المنطلق غدت الرؤية البديلة ضرورية بشكل ملح وعاجل بغية تزويد الأوروبيين باطار عمل شرعي انساني واقتصادي وديمقراطي من أجل معالجة تحديات هذه الهجرة.

Ad

اللجوء الى أوروبا

وبمجرد تلبية الاتحاد الأوروبي إزاء اللاجئين خارج أوروبا يتعين أن تصبح مشكلة اللجوء في داخل أوروبا مسألة بسيطة، ولكن يتعين معالجتها على أي حال، وإذا كان على الاتحاد الأوروبي أن يطبق نظاماً يعتمد على القانون فإن هذا سيعني الحفاظ على تمييز واضح بين اللاجئين وبين الطامحين الى الهجرة لأن أوروبا تشكل وجهة مغرية جداً بالنسبة الى الفقراء، كما أن سياسة اللجوء الأوروبية المستدامة ستحتاج أيضاً الى التمييز بين أولئك اللاجئين الذين يستطيعون الحصول على الأمان في مناطق قريبة من أوطانهم وبين من هم في حاجة الى الانتقال الى أوروبا بشكل محدد.

ومن أجل الاستدامة يتعين على سياسة اللجوء في الاتحاد الأوروبي معالجة خمسة أسئلة رئيسة هي:

1 – كيف يتعين اتخاذ قرارات اللجوء؟

يجب أن تكون سياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالتمييز بين اللاجئين وبين المتطلعين الى الهجرة متناسقة في الزمان والمكان. ويفضي عدم التناسق أو التضارب الى تقويض ثقة العامة كما يدفع المهاجرين الى التوجه نحو الدول التي تتطلب القدر الأقل من مقاييس اللجوء، وتسهم بذلك في التوصل الى حصيلة كيفية وغير عادلة بالنسبة اليهم. وعلى الرغم من أن التناسق الجغرافي كان الغاية الرئيسة من نظام اللجوء الأوروبي المشترك فقد أسيئت ترجمته عبر الاشارة فقط الى مقياس عام مشترك لمنح حق اللجوء في المحاكم الأوروبية.

ويفقد هذا أحد الجوانب الأكثر أهمية في التناسق الجغرافي الذي يتمحور حول كون نتيجة اللجوء (أو تأشيرات الهجرة الأخرى) يجب أن تكون متماثلة بغض النظر عما إذا طالب اللجوء قد تقدم بطلبه في بلده أو في ملاذ إقليمي آمن أو في دولة مرور أو الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الراهن هذا الوضع لم يطبق وسوف تستمر أعمال تهريب البشر في الازدهار مادام الوصول الى أوروبا يزيد بصورة كبيرة فرصة الاستقرار في القارة.

2 – أين يتعين اتخاذ القرارات المتعلقة باللجوء؟

يجب أن يتم اتخاذ القرارات المتعلقة باللجوء في الاتحاد الأوروبي. وفي حقيقة الأمر يتعين تبسيط هذه العملية وتسريعها بشكل كبير، ولكن من المنطقي أيضاً اتخاذ الإجراءات في خارج أوروبا وبذلك نخفض حاجة الناس الى خوض محاولة خطيرة عبر السفر كما أن شبكات أوروبا من القنصليات والسفارات يجب أن تتمكن من العمل تحت السلطة الأوروبية حتى في دول المهاجرين الأصلية. وعلى أي حال، يتعين عدم تركيز هذه القرارات في الدول التي تستخدم حالياً للعبور مثل ليبيا التي ليست ملاذاً، ويجب عدم تشجيع الناس على التوجه اليها، وإقامة مراكز لمراجعة طلبات اللجوء هناك– كما اقترحت بعض دول الاتحاد الأوروبي– يهدد بحدوث حصيلة غير إنسانية وبجذب المزيد من الناس الى هناك.

3 – كيف يجب تشاطر المسؤوليات؟

يتعين على أوروبا أيضاً إصلاح نظامها المتعلق بتوزيع اللاجئين ضمن الاتحاد الأوروبي، ونظام دبلن لا يتسم بالمساواة، والنظام المستدام يتطلب الفصل الواضح بين مسؤولية تقييم الطلبات وهي العملية التي يمكن أن تتم في أي سفارة أو قنصلية يختارها طالب اللجوء بنفسه (أو ضمن أول دولة أوروبية يصل اليها الشخص)، ويتعين توزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أساس معايير متفق عليها.

للدول الأوروبية تاريخها وديمغرافيتها ودرجاتها من التنوع وبشكل مختلف تماماً، وهو ما يجعل من الصعب التوصل الى اتفاق حول هذه الجوانب، وبالنسبة الى المهاجرين الموجودين في الأساس في أوروبا ولكنهم في حاجة الى الحصول على قرار لجوء يتعين أن يتم تقييم الطلبات من قبل الدول التي يقيمون فيها في الوقت الراهن، وفي ظل وجود معيار مشترك حول تقرير طلبات اللجوء لا حاجة الى انتقال المهاجرين بين الدول. ويتعين أن يواكب ذلك مساعدة مالية من الاتحاد الأوروبي الى دول الخط الأمامي مثل اليونان وايطاليا، حيث يعيش عدد من طالبي اللجوء الذين لم تتم معالجة طلباتهم وبصورة غير متناسبة.

4 – كيف يجب على أوروبا التعامل مع محاولات عبور البحر الأبيض المتوسط؟

يتعين على الاتحاد الأوروبي طبعاً الالتزام بشكل قاطع بانقاذ الأرواح في البحر، ولكن يجب عليه بالاضافة الى ذلك وضع اجراءات واضحة لانزال الناس من السفن بعد مطاردتها أو بعد انقاذ المهاجرين على متنها. ويتعين أن تكون نقاط الاجلاء التي تستوعب المهاجرين أثناء معالجة طلباتهم قريبة من أوروبا ولكن يجب ألا تكون وجهة محتملة. وتعتبر مالطا واحدة من المواقع التي ينطبق عليها هذا الشرط على الرغم من وجود الكثير من الجزر الأخرى في البحر الأبيض المتوسط التي يمكن أن تحقق الغاية المرجوة أيضاً.

وكما هي الحال بالنسبة الى دول الخط الأمامي يجب تعويض مالطا والجزر الأخرى مالياً لقاء خدمة نقاط الإنزال، ومن أجل تعاونها ستكون في حاجة الى ضمانات من الاتحاد الأوروبي بسرعة معالجة طلبات اللجوء وبأن من يرفض طلبه سيعاد من حيث أتى، وبشكل أولي قد يكون من الضروري دعم تلك الضمانات عبر اجراءات معينة مثل النقل الى دولة ملاذ آمن بديلة بعد عدم التوصل الى قرار حول طلبات اللجوء التي انقضت مدتها.

5 – كيف تستطيع أوروبا إنجاح عملية الإرجاع؟

تحتاج أوروبا أيضاً الى تطوير آلية فعالة وإنسانية لإعادة طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم، إما الى دولة ملاذ إقليمية أو إلى بلادهم، وتعتبر معدلات الإعادة في الوقت الراهن متدنية جداً ومن السهل الى حد كبير أن يختفي من رفض طلبه في الوسط الاقتصادي غير الرسمي للدولة المستضيفة. وهذا النظام غير مستدام وغير شرعي ويشكل انتهاكاً للقانون. ومن أجل إصلاح هذا الوضع يتعين على أوروبا خفض عمليات الاختفاء هذه، ولكن ليس عن طريق قوات الشرطة والاعتقالات، بل عبر توفير بطاقات تعريف وبمراقبة أرباب العمل ووكالات الرعاية التي تستطيع أيضاً مساعدة المهاجرين غير الشرعيين، وفي الدول التي يسهل فيها الاختفاء في الوقت الراهن– مثل إيطاليا– ستدعو الحاجة الى زيادة الشفافية وفرض القانون.

ولكن يمكن وجود بدائل مبتكرة أيضاً، وبالنسبة الى الحالات الصعبة التي تشتمل على عدم وجود اتفاقيات دولة ثالثة وضمانات دبلوماسية أو أنظمة هوية تعريف يكمن الحل في تحديد مجموعة من الدول الراغبة في توفير العمل للمهاجرين.

إنجاح الهجرة

ترسم سياسة الهجرة مستقبل أوروبا، وقد خسر قادتها ثقة مواطنيهم التي لن تستعاد من خلال النزاعات حول إصلاحات وهمية، وهي ما عرضته بروكسل إلى حد كبير حتى الآن، كما أن الاتحاد الأوروبي في حاجة ملحة الى تغيير أسلوبه وطمأنة المواطنين من خلال اعتماد سياسة هجرة تحظى بدعم واسع وتلبي التزامات أوروبا الأخلاقية، وأن تكون على ما يكفي من الحكمة بحيث لا تفسح مجالاً للندم. ويمكن للهجرة المستدامة توفير لغة موحدة ومشتركة يستطيع رجال السياسة ربطها مع المواطنين، وهي تعرض بالاضافة الى ذلك سياسة براغماتية بما يكفي لاستيعاب تحديات هذه الهجرة التي ستواجهها في المستقبل.