"الثلاثاء" ظل اسماً معرفاً، ملاصقا ورديفاً لإسماعيل، فما إن يقال يوم الثلاثاء حتى يحيلك إلى "ملتقى الثلاثاء" الذي اقترن باسم الروائي الكويتي الأستاذ إسماعيل فهد إسماعيل.

لا يهم كثيرا أين يُعقَد، سواء في مقهى في مسرح أو حتى في فندق، فهو يظل مقترناً باسم "إسماعيل"، ولكن أزهى أيام "ملتقى الثلاثاء" كانت في مكتبه، الذي كان ساحة للنقاش والحوارات والمعرفة، وبالرغم من أن يوم التفاؤل بالنسبة له كان يوم الأربعاء لا الثلاثاء، فإنه بقي يوم البوح يوم الاجتماع، الوصال الذي تنصهر به المعرفة وتنبثق منه النقاشات والحوارات لترسم الدلالات لطرقنا جميعا، الكتاب الجدد والقدامى، المحترفة أقلامهم والمبتدئة أولى خطواتها على حد سواء، لقاءات معرفية تمهد لهم السبل كي ينطلقوا، يواصلوا الانطلاق للساحة الثقافية.

Ad

توقف "ملتقى الثلاثاء" لكن صاحبه الذي جعل من مكتبه وبيته مكانين متاحين للسائلين وطالبي المعرفة ولم ينزعج، فصار من يدخل لمكان أو أمكنة "إسماعيل"، يعني أنه ينوي البحث عن بذور الوعي وحب القراءة والفهم.

صار "إسماعيل"عرضة لعلل صحية وانتكاسات عكسية يوم قرر التوقف عن التدخين بعد سنوات طويلة، فلم يعد تردده على الندوات الثقافية كسابق أيامه، لكنه عوّض ذلك التراجع بالكتابة الغزيرة، فكانت الإصدارات المتتالية شاهداً على منجزات عزلته المختارة، ولعلّ آخر إنتاجاته هو ذلك "الصندوق الأسود" الذي وشح به أيامنا ثم رحل!

"صندوق أسود آخر"، تسميات عديدة كان يطرحها علينا كعنوان مقترح ليختار اسماً يليق بهذه الرواية، لكني متأكد أنه قد أصدر قرارة منذ البدء، بأن يكون "أسود"، نعم أراد ان يسدل ستار حياته بوشاح أسود.

لقد ابتدأ "طالب الرفاعي" وملتقاه الثقافي موسمه يوم الأحد ٢٣/٩/٢٠١٨ فكان الإعلان الاحتفاء برواية الأديب إسماعيل فهد إسماعيل (صندوق أسود آخر)، فطلب مني طالب أن أعد ورقة والمشاركة في الأمسية، اعتذرت وقتها لكنه أصرّ علي بأنني أقرب الناس إلى إسماعيل.

فكانت الندوة، وصدح طالب بصوته الجهوري قائلا بأن "الصندوق الأسود هي آخر رواية لإسماعيل فهد إسماعيل"، اعترض البعض، ونصحوه بأن عليك القول بأنها آخر إنتاج روائي للأستاذ إسماعيل فهد إسماعيل، قدّم بعدها الدكتورة ابتهال الخطيب، والتي أعدت ورقة جميلة كمشاركة عن الرواية، ثم جاء دوري ليقدمني "طالب" بأن (شهادتي مجروحة بإسماعيل)، قرأتُ ورقتي وتحفز إسماعيل للرد، فما أنهيت عباراتي حتى قال، هذا (ابو مازن محمد جواد) هكذا تحلو له الإشارة حين يقدمني دائما، مذ وضع إهداءه على (ممنوع الاقتراب من الحدود المحرمة) وقتها قال: "من عرَفَكْ بـ محمد جواد عرفك، وإن لم يعرفك فأنت أبو مازن، فهو أخي وصديقي ورفيق دربي وولي أمري" (لله درك إسماعيل أي ثقل أناخ بكاهلي وضعته)!

بعد نهاية الفرح والابتسامة والاحتفاء به وبروايته الجديدة/ الأخيرة، تم قطع كعكة عليها صورة ملونة لغلاف روايته، وعندما وضع السكين لم يقتطع منها سوى اسمه (هذا أول النعي) وقبل خروجنا وحديثه مع د. غانم النجار، كانت كل الإشارات وما وراء كلماته تدل على أن الوقت قد حان ليتوقف عن الكتابة.

ودعنا الجميع وركبنا سيارتي لنعود إلى البيت، كانت السعادة تغمره وحديثنا لا ينفك عن الحضور وتلك اللمة الجميلة من المثقفين، لكنه سحب نفساً عميقاً وقال (لا تهتم منتهية هي) لا أدري كيف أصبت بالخيبة؟ لماذا ينعى إسماعيل نفسه؟!، فهو قبل ثلاثة أيام وحين كنا مشتبكين بحديث لمشكلة عارضة تمرّ به، سألته حينها (وما الحل)؟ قال: هناك حل واحد (الله ياخذ أمانته) يا ترى ما الذي حصل لإسماعيل صاحب الابتسامة (والـ هلا) (وحيا الله) التي تصل لباب مكتبه أو داره مرحبا ومستبشرا؟

تركته عند العاشرة من مساء يوم الأحد، يوم الاثنين وجدت سيارته متوقفة ولم تتحرك من مكانها، أصابني القلق، سألت العاملين في المكتب فقالوا إنها "الإنفلونزا"، لم يسعفني الوقت كي أمر عليه يومها.

لكن يوم الثلاثاء الحزين جاء الهاتف وإذا به أسامة ابنه البكر يسألني: "أين أنت؟"، أجبته: قريب (الحقنا الوالد متخربط). لا أدري كيف استدرت بسيارتي، صعدت إلى الشقة مسرعاً، توجهت إلى غرفته، ناداني إنه بالحمام، دخلت، ناديته "أبو فهد"، إسماعيل أجبني، أسامة يتحدث مع الإسعاف ليحثهم على السرعة، وجدته وقد أتم غسل يديه وجلس على حافة المقعد، وإسماعيل هذه القامة السامقة و"برحية السبيليات" ظلت صامدة حتى في وجه الموت، فالميت عندما تغادره الروح يسقط الجسد ويسلمه للراحة، لكن إسماعيل أراد أن يودعنا مبتسماً وبهيئته التي عهدناها، وللحظة، ولم أكن متيقناً: أتراه غادرنا أم لم يزل هناك رمق بسيط؟ أسرعت باحتضانه لأعيده إلى سريره، لكن الرهبة والخوف من إيذائه منعاني، فإسماعيل الذي كان كثيراً ما يتعثر في سيره بعد عملية قدميه الأخيرة وأسنده بوزنه الخفيف، عندما غادرته الروح أصبح من الثقل بحيث لم أستطع أن أنهض به، ناديت على "جمال" مندوب الشركة ليعينني على نقله، ولحظة تعديل جسده وجدته لايزال على ابتسامته المعهودة، وكأنه يقول: الرحيل مكتوب عليّ أنا، أما أنتم فأكملوا المسير.

نم قرير العين يا رفيق دربي، فالعالم اشترك في الحزن العميق على رحيلك، ففقدك كان فجيعة ليس هناك مثلها.

"أبو أسامة"، أو "أبو فهد" بأيهما تريدني أن أناديك، كم تعشق "الثلاثاء"، فها أنت يا صاحب "ملتقى الثلاثاء"، تفارقنا في اليوم ذاته، ثلاثاؤنا هذا استحال إلى "مفترق الثلاثاء".

تغمدك الله بواسع رحمته، وألهم محبيك الصبر والسلوان.