اليوم الوطني السعودي الثامن والثمانون ليس كما عهدته في السنوات السابقة، أحسست وربما كثيرون غيري أنه لم يكن يوماً وطنياً عادياً، بل كان عيد ميلاد لوطن يعيد تشكيل ذاته من جديد ويعيد رسم ملامحه، ولست هنا بصدد الحديث عما تسعى إليه الحكومة السعودية من تحقيق إنجازات ورسم خريطة طريق لطموح يتعدى سقف الأمنيات، ولا عن خطط في طور التنفيذ لبناء بلد معاصر يواكب بلدان سبقت المملكة في هذا الدرب، لست بصدد الحديث عن ذلك رغم أهميته، فتلك مهمة الإعلام الرسمي وقنواته المختلفة، إنما حديثي عن الناس الذين يشكلون النبض الحقيقي والصادق للشارع بمختلف شرائحهم وطبقاتهم وتصنيفاتهم، لم أشعر في السنوات السابقة بمثل هذا الفرح الذي غمر المواطنين في التعبير عن محبتهم للوطن، اختلف كثيراً طعم الفرح في قلوب الناس بهذا اليوم هذا العام، رقص الفرح في الساحات العامة والمسارح والميادين، ومشى حافياً في الشوارع والأزقة، وعانق القابعين في بيوتهم ولم يغادروها رجالاً ونساء وأطفالاً، وخضّب بالبهجة لحظات ذلك اليوم، لحظة تلو أخرى، وُزع السرور كالحلوى على كل فم، ولم يُحرم منه سوى من حرم نفسه، ولم يُمنع من ماء السعادة المنتشر في كل ناحية من أرجاء الوطن سوى من نذر نفسه للعطش، الفعاليات والأنشطة في كل مكان، الحفلات الغنائية والمسرحيات في مختلف مناطق المملكة، الأغاني الوطنية في كل "مول"، الموسيقى تغزل بثقة سجادة الحبور وتطرب الحضور، فرحة الناس في المملكة بيومهم الوطني لا تشبهها الفرحة في السنوات الماضية، ومشاعرهم بالاعتزاز والفخر بوطنهم هذا العام لا تشبه تلك المشاعر الباهتة والشبيهة بالرماد البارد فيما مضى من السنين، فالفرحة كانت في قبضة المتشددين الذين أقنعوا الناس بـ "أن الله لا يحب الفرحين"، وفسروها على مقاس تجهمهم وشهوة غلظتهم، ووضعوا مشاعر الناس في هذا اليوم بالمرصاد وتحت المجهر، وألقوا القبض على كل تلويحة قلب لهذا الوطن؛ إن لم تختم بختمهم الرسمي وضمن المعايير التي فصّلوها لتؤكد سلطتهم على المجتمع، إن ما اختلف هذا العام أن تلك السلطة قوّضت وكُفّت أيديهم التي كانت تحول بين المواطنين والوطن، وتمكن المواطن من التواصل مباشرة بمشاعره الحقيقية مع الوطن، مستغنياً عن جسرهم الهش، الذي كان عاجزاً، على الدوام، عن ردم الهوة بين نبض المواطنين وحضن وطن أحبّوه وآمنوا بقداسته.

ما اختلف هذا العام أن الناس شعروا حقيقة بأنهم يعيشون في مجتمع طبيعي كأي مجتمع آخر في الدنيا، وأنهم قادرون على الاحتفاء بوطنهم كما يحتفي الآخرون بأوطانهم، وأنهم يعيشون حياة ليست شاذة عن حياة أي فرد في بقاع الأرض، فعزز ذلك انتماءهم لأرض يحبونها وتراب يعشقونه، وعبّروا عن ذلك بأجمل الصور وأصدق التعابير وكأنهم يعيشون ميلاد وطن جديد.

Ad

قالت إحدى الصديقات وهي تشاهد حفلة غنائية بمناسبة هذا اليوم: "الله لا يسامح من اختطفوا وطني كل السنوات الماضية وسرقوا فرحتي فيه عقوداً من الزمن، لم أعرف حجم ما فعلوا من تشويه لوجه وطني الجميل، وما سلبوا من مشاعرنا الحميمة تجاهه سوى الآن".

عيد ميلاد سعيد يا وطني.