المساء يغطّ على المدينة التي كانت أول من بدأ الكلمة السحرية والتي أصبحت الآن على كل لسان وفي كل يوم تردد على أسماع البشر من أعلى مستوى حتى أقله تعليماً ومعرفةً وخلقاً، الجميع يحبها أي الديمقراطية بل يرددها حتى أصبح من الضروري أن تكون هناك مراجعة للفهم الحقيقي لمعناها الذي بدأ هناك في تلك المدينة العريقة... عند سفح الأكروبولوس توافدوا بدعوة من صحيفة النيويورك تايمز العريقة، سواء أحببنا سياساتها التحريرية أم لا، فلا نستطيع إلا أن نتمنى أن تستطيع إحدى صحفنا العريقة أيضاً أن تقوم بمؤتمر مماثل، وتدعو شخصيات لا تتناحر كالديكة، بل تتناقش بهدوء دون آراء مسبقة، وتحيزات لحزب سياسي أو حتى فكر أو طائفة أو قبيلة أو دولة أو عائلة أو مجموعة.

الديمقراطية بالتأكيد ليست صندوق اقتراع كما أثبتت كل التجارب في العالم، بل هي وسيلة لعودة الفاشستية والإسلاموفوبيا والتعصب والفكر الواحد، ومهما قيل إن الصندوق هو الحكم فالرد المنطقي هو ماذا عن تقسيم الدوائر وشروط المشاركة عبر حزب أو حتى التكلفة الباهظة للدعاية الانتخابية... إلخ... إلخ، وهناك العديد من الشروط ليكون الصندوق خير معبر عن رغبة الناس بالتأكيد؟

Ad

المنتدى الذي بدأ بطرح السؤال الصعب هل نشهد نهاية الديمقراطية؟ أو كما ردد البعض البحث عن وسيلة أخرى لحكم الناس من قبل الناس ومن أجلهم، وهو التعريف الأساسي لكلمة ديمقراطية، وكان هناك نقد لاذع للديمقراطية الغربية التي ساهمت أكثر وأكثر في تركيز السلطة ورأس المال والثروة والإعلام كذراع للسلطة، تركزها جميعا في أيدي مجموعة بسيطة أو فئة من المجتمع فيما الأغلبية بعيدة عن صنع القرار، ولا تملك حتى القدرة على الرقابة على القرارات، وما ينتج عنها، فهل يعرف الكثير من الذين منحوا أصواتهم لعدد من النواب كيف توزع ميزانيات حكوماتهم؟ وما الصناديق السوداء التي لا يستطيع أي عضو برلماني الوصول إليها لمعرفة كم هي مخصصات شراء السلاح؟ وما هي في المقابل المخصصات للتعليم والصحة والخدمات العامة؟

هو نقاش عالمي لا يقتصر على النيويورك تايمز أو هذا المنتدى، إلا أن هذه الجريدة عرفت كيف تلتقط المادة الأكثر إثارة بين الباحثين والمعنيين بمستقبل العالم والبشرية، لا مستقبل الديمقراطية فقط، فأي نمط من الحكم يضمن للبشر كل البشر حقوقهم في التعبير والمشاركة والرقابة ورفع الصوت عاليا عندما تكون هناك روائح الفساد العفنة، وهي مرض ينخر في معظم مجتمعاتنا العربية بل العالمية.

وفيما تحدث بعضهم عن إخفاقات الديمقراطية، قال آخرون إنها نجحت في ماليزيا وإندونيسيا، ووقفت تلك القاضية من جنوب إفريقيا لتقول إن معظم مواطني ذاك البلد الذي عرف أكثر الشخصيات السياسية احتراما في الزمن الحديث أي نلسون مانديلا، يرددون ما الذي جاءت لنا به الديمقراطية؟ هل أنهت فقرنا وعوزنا؟ بل على العكس ازددنا فقراً وبطالة!! سؤال ملح آخر كان يردده بعض الحكام والمسؤولين عندنا حتى جاء صوت الناس في 2011 عندما قالوا "هي الديمقراطية بتأكل عيش؟"، ربما لا، ولكنها تضمن ألا يسرق الآخرون العيش لأجيال قادمة ربما؟

فيما قالت باحثة في علم الاجتماع من بولندا إن علينا التفاؤل بقدراتنا، ورددت قدرات الليبراليين الذين يُطلب منهم اليوم أكثر من أي وقت مضى ألا يصمتوا أمام ما يحدث، بل أن يرفعوا الصوت عالياً. وافقها الرأي محاضر في جامعة هارفارد فقال إن علينا ألا نستغل حجم النيران المشتعلة ضد الديمقراطية، وأضاف إن كل عمل مدني هو كوب الماء الذي قد يساهم في إطفاء الحريق مهما قلّت كميته!!

وأنهى المنتدى روجر كوهن الكاتب في صحيفة النيويورك تايمز بقوله إن الحقيقة هي ما يجب أن نخاف عليه، ففي ظل حجم الأكاذيب تبقى الحقيقة تائهة ونحن بأشد الحاجة لها ليستطيع المواطن أن يتخذ القرار. سرحت بعض الشيء وهو يتحدث عن أزمة الحقيقة في الإعلام الغربي والعالمي، فإذا كانت هناك أزمة فماذا عن إعلامنا العربي، حيث تغيب الحقيقة بين تفاصيل أنصاف الحقائق أو الأكاذيب والتفاهات والتسطيح؟ كيف عنا وماذا عنا، فيما ألتفت حولي فلا أجد إلا حضوراً عربياً ضعيفاً إن لم يكن باهتاً كالعادة في مثل هذه المنتديات، وكأن الحديث عن التحولات السياسية وأنماط الحكم الصالحة لا يعنينا، فلا نزال خارج الزمن بل خارج التاريخ ربما؟

يعود روجر كوهن ليقول إن الديمقراطية قد تفاجئنا كما حدث قبل ذلك، وإلا فالتفتوا حولكم وتنزهوا في أزقة أثينا، انظروا واقرؤوا النقوش على جدران الأكروبولوس وتلمسوا كم من الانتكاسات عاشتها الديمقراطية، وخرجت منها لتنعش نظاماً كاد يتهاوى، أم هي الحاجة لإعادة مراجعة لفهم حكم الشعب من الشعب ولمصلحة الشعب!! ربما؟!

* ينشر بالتزامن مع "الشروق" المصرية