يُعتبر قرار إدارة ترامب إقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن الحلقة الأخيرة في سلسلة من الخطوات العقابية التي اتخذتها ضد الفلسطينيين، والهدف جلي: إرغام منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها المريض الذي تخطى الثمانين من عمره، محمود عباس، على استئناف محادثات السلام مع إسرائيل والقبول في النهاية بخطة الإدارة للسلام التي طال انتظارها، لكن مصير إستراتيجية الإكراه والعقاب الجماعي هذه سيكون الفشل.

في مؤتمر هاتفي قبل عيد "روش هشنه" مع الحاخامات وقادة المجتمع اليهودي الأميركي الأسبوع الماضي، عبّر الرئيس ترامب بوضوح عن طريقة التفكير وراء القرار السابق خفض تمويل الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية ووقفها تمويل الأونروا، وهي الوكالة المسؤولة في الأمم المتحدة عن اللاجئين الفلسطينيين، وأوضح: "أخبرتُ الفلسطينيين أننا لن ندفع لهم إلى أن نعقد صفقة، وإن لم نعقد صفقة فلن ندفع".

Ad

يعتقد ترامب، على ما يبدو، أن السبيل إلى عقد "صفقة القرن" بين إسرائيل والفلسطينيين يقوم على تدليل الطرف الأول والتعامل بشدة مع الثاني، وخصوصاً من خلال الضغط المالي، وبعدما اقتنع أنه أزال إحدى المسائل المعقدة عن الطاولة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، يسعى ترامب اليوم إلى إرغام الفلسطينيين على التخلي عن مطالباتهم القديمة بالقدس الشرقية عاصمة لهم وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

رد عليه عباس حتى اليوم برفض لقاء مبعوثَي ترامب جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات، كذلك أبى لقاء ترامب نفسه، ما لم يطردهما، حسبما يشير عدد من التقارير، لكن هذا التحدي لا يُعتبر مفاجئاً نظراً إلى تدني شعبية ترامب بين الفلسطينيين وتاريخهم الطويل من مقاومة الإكراه الإسرائيلي والضغط الأميركي بعناد، فقد رفض الفلسطينيون منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي الكثير من خطط السلام، وما من سبب يدفعنا إلى توقع أن يرضخوا اليوم، وخصوصاً أن خطة سلام إدارة ترامب، التي لم يُعلن عنها بعد، تبدو أكثر ميلاً لإسرائيل مقارنةً بما سبقها، وفق التقارير.

بدلاً من الضغط على الفلسطينيين لعقد السلام وفق شروط إسرائيل أو بالأحرى شروط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يجب أن تعمل إدارة ترامب على تشجيع الإسرائيليين والفلسطينيين على الرغبة في عقد السلام. منذ انهيار عملية السلام في أوسلو واندلاع الانتفاضة الثانية، تخلى الطرفان عن آمالهما في التوصل إلى السلام، فالثقة بينهما معدومة، وكلا الطرفين مقتنع أن الطرف الآخر لا يرغب حقاً في السلام، أو على الأقل ليس مستعداً لقبول التسويات الضرورية لتحقيقه. لذلك من الضروري التغلب على انعدام الثقة هذا، ولا شك في أن تجاهل جو الرأي السائد بين الإسرائيليين والفلسطينيين (الذي يتصف بمستوى عالٍ من العدائية، والريبة، والأحكام المسبقة، وإحساس كل طرف بأنه وحده الضحية) سيقضي على أي مبادرة سلام، حتى لو كانت منصفة إلى حد كبير لكلا الطرفين.

يشكّل إخفاق اتفاقيات أوسلو للسلام مثالاً تحذيرياً في هذا المجال، صحيح أن أسباباً كثيرة قادت إلى إخفاق اتفاقيات أوسلو في التوصل إلى اتفاق سلام دائم، إلا أن أحد العوامل الأبرز كان غياب الدعم الشعبي للتنازلات الكبيرة التي ترتب على الطرفين القيام بها.

تشمل عملية بناء السلام سلة واسعة من نشاطات المجتمع المدني التي تعزز التواصل، والتعاون، والمصالحة بين أعضاء المجموعات المتحاربة.

قبل عشرين سنة، انتهى صراع آخر طويل ومرير، إذ ساد الاعتقاد أيضاً أنه لا حل له (بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية) بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة، لكن ما ساهم في تحقيق هذا الإنجاز لم يقتصر على الدبلوماسية الرفيعة المستوى (فضلاً عن بعض الضغط الأميركي)، بل شمل أيضاً سنوات من مشاريع بناء السلام التي حظيت بتمويل جيد وربطت أعضاء المجتمعين المتخاصمين معاً.

ساهمت عملية بناء السلام في نجاح اتفاق الجمعة العظيمة، في حين أدى غياب بناء السلام إلى تقويض اتفاقيات أوسلو، إذن إن كان ترامب يرغب في تحقيق صفقة القرن، فعلى إدارته أن تستثمر في عملية بناء السلام الإسرائيلي- الفلسطيني لا حرمان الفلسطينيين من التمويل.

* دوف واكسمان

«لوس أنجلس تايمز»