حتى في العالم العاشر، وليس في العالم الثالث فقط، من غير الممكن أن يفعل وزير خارجية لا تزال قدماه في الحكم، في حين رأسه أصبح خارجه، ما فعله وزير الخارجية الأميركي إبان حُكم الإدارة الديمقراطية الأخيرة جون كيري، حيث اعترف، غير متأخر على الإطلاق، بأنه أجرى لقاءات سريعة مع مسؤولين إيرانيين كبار، من بينهم وزير الخارجية محمد ظريف، ومن وراء ظهر دونالد ترامب، ومن دون معرفة ولا علم أيٍّ من رموز إدارته. وحقيقة هذا يثير، ليس بالنسبة للأميركيين فقط، بل أيضاً بالنسبة للكثيرين في هذا الكون كله، أسئلة وتساؤلات كثيرة من المؤكد أن بعضها محقٌّ، على اعتبار أنه بين واشنطن وطهران مواجهة فعلية تأخذ أشكالاً متعددة، من بينها المواجهة العسكرية.

وبالطبع، فإن السؤال الذي يتبادر إلى أذهان المعنيين، وهم كُثر، هو: هل وزير خارجية الولايات المتحدة، الذي لا يزال كُرسيه في هذا الموقع المهم جداً لم يبرد بعد، والذي يُعد الموقع الثاني بعد الموقع الرئاسي في الدولة الأميركية، بات يعمل "مستشاراً" لدى دولة الولي الفقيه، التي تعد عدواً لدولته، وتخوض مع هذا العدو صراعاً تناحرياً ميدانه الشرق الأوسط كله، هذا بالإضافة إلى الميدان الاقتصادي الشديد الالتهاب، والذي هو أخطر الميادين.

Ad

هناك مثل شعبي يقول: "نكاية بالطهارة لديه استعداد لأن ينقض وضوءه". وحقيقة هذا حصل من قِبَلِ بعض دول العالم الثالث مرات كثيرة، لكنه قبل أن يفعل جون كيري فعلته الشنيعة هذه كان مستبعداً، ويُعد من سابع المستحيلات بالنسبة للدولة الأكبر والأهم والأعظم بالعالم كله، وفي الكرة الأرضية بأسرها، ما يجعل أنه علينا أن نراجع حساباتنا وقناعاتنا السابقة، ويتطلب الأمر أن يقوم الأميركيون الحريصون على هيبة دولتهم بفتح كل دفاترهم العتيقة كلها، والشك في كل شيء على مدى تاريخهم البعيد قبل تاريخهم القريب والجديد.

ويقيناً، إن فعلة جون كيري الشنيعة هذه إذا أضيفت إلى "ولدنات" دونالد ترامب وألاعيبه السياسية، التي لم يعد يحتملها حتى بعض كبار المسؤولين الجمهوريين، فإننا نجد أن هيبة هذه الدولة العظمى؛ الولايات المتحدة، التي نكنُّ لها ولشعبها الصديق كل التقدير والاحترام، انحدرت كثيراً، وأصبحت بمحاذاة هيبة الدول الـ"مايكروسكوبية"، التي لولا الحرص على عدم الإساءة لشعوبها، لذكرنا أسماءها كلها، وهي كثيرة على أي حال، ومن بينها بعض الدول التي تربطنا بها وشائج قربى، ويربطنا بها تقارب جغرافي.

كنا عندما ظهر باراك أوباما في مدرج جامعة القاهرة، وألقى ذلك الخطاب الشهير، اعتقدنا أن الولايات المتحدة، هذه الدولة التي يحرص معظم العرب على استمرار صداقتهم معها، أصبحت تتحلى ولو بالحد الأدنى من الإنصاف، لكن للأسف، اعتقادنا هذا ما لبث أن أُصيب بانتكاسة كبيرة عندما انقلب هذا الرئيس الديمقراطي على كل ما قاله، وكل ما وعد به، وعندما انتهت ولايته من دون إنجاز شكلي وصغير واحد بالنسبة للصراع العربي - الإسرائيلي، وعندما أدار ظهره استدارة شاملة، واتجه إلى إيران، التي اعتبرها الرقم الرئيسي في الشرق الأوسط بأسره والحصان الوحيد الذي يمكن الرهان عليه، مما جعلنا -بعد "اعترافات" جون كيري هذه- نشعر بأننا كنا، وخاصة بالنسبة للمأساة السورية، نغرق في مؤامرة مَن كنا نعتبرهم أصدقاء، لكن ثبت أنهم ألدُّ الأعداء!