تُخصص مراكز التفكير المختصة بالاستراتيجية وقتاً وجهداً لدراسة موضوع «القنابل القذرة»، التي تتزايد مخاوف العالم الغربي منها بشكل كبير في الآونة الراهنة.

فمع احتكار عدد محدود من الدول امتلاك القدرة النووية، تبحث بعض الدول والجماعات الساعية إلى امتلاك قوة «ردع» تطوير أسلحة مؤثرة؛ وتبرز «القنبلة القذرة» في هذا الصدد كخيار معقول.

Ad

و«القنبلة القذرة» ليست سوى خليط من المواد الناسفة التقليدية والمشعة، والتي يسهل صنعها، وتفجيرها، مما يثير حالات فزع رهيبة؛ إذ لا يتطلب الأمر سوى توافر نصف كيلو غرام من مسحوق اليورانيوم المخصب، وخلطه بمواد متفجرة تقليدية، وعند تفجيره، فإن باستطاعته إصابة منطقة واسعة بالتلوث. ورغم أن القدرة التدميرية لهذه القنبلة ليست ضخمة مثلما هي الحال في القنابل النووية، فإن أثرها حاسم في «ضرب المعنويات»، وإثارة الهلع.

يبدو لي أن قطاعاً من «الإسلاميين»، سواء كانوا منتظمين في جماعات «إرهابية»، أو يعملون من دون إطار تنظيمي كـ»ذئاب منفردة» أو «مدافعين متطوعين عن الدين»، يؤمنون بجدوى «القنبلة القذرة»، ويتخذونها وسيلة لـ«الردع»؛ وهي في هذا الصدد ليست بالضرورة خليطا من مواد ناسفة تقليدية ومشعة، إنما هي عمليات إرهابية يتم شنها، بغرض ردع الدول والمجتمعات عن تخطي حدود معينة وضعها هؤلاء «الإسلاميون» لتطبيق مفهومهم في «حماية الدين».

هي إذاً وسيلة سهلة ورخيصة، ذات أثر حاسم، يستمد نفاذه من الهلع والترويع، ورواج أخباره عبر «الميديا»، ورغم أنها قادرة بالفعل على «الردع» أحياناً، فإن عواقبها وخيمة على من يستخدمها أيضاً.

في سبتمبر 2005، نشرت صحيفة «جيولاندس بوستن» الدنماركية 12 صورة كاركاتيرية مسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، قبل أن تقوم صحف أخرى في النرويج وألمانيا وفرنسا وسويسرا بإعادة نشر هذه الصور. وقد قدمت جمعيات إسلامية بالدنمارك شكوى ضد الصحيفة، وهي الشكوى التي تم رفضها.

فقد استندت تلك الجمعيات الإسلامية إلى المادتين 140 و266 من قانون العقوبات الدنماركي، اللتين تجرمان الاستهزاء أو المس بأي معتقدات دينية لأي مواطن دنماركي عبر النشر أو الإذاعة، لكن المدعي العام أسقط القضية قبل وصولها إلى المحكمة، معتبراً آلا أساس لها «بالنظر إلى حق حرية التعبير عن الرأي الذي يجب أن يمارس في إطار حقوق الإنسان».

لم تواصل الأطر الإسلامية داخل الدنمارك وخارجها جهودها السلمية المستندة إلى القانون وحقوق الإنسان ومبادئ حماية المعتقدات وعدم إثارة الكراهية والطعن في الأديان، لكنها توقفت عند هذا الحد، لتبدأ حملات أخرى مهيجة، تطلب «الثأر» و»الردع»، وهو ما أدى إلى خروج التظاهرات العارمة بعد شهور أربعة كاملة من نشر الرسوم لأول مرة، في مساحة امتدت في أربع قارات، حيث أُحرقت سفارات، وقُتل متظاهرون ورجال أمن، واحُتجز موظفون، وقُوطعت البضائع الدنماركية، وطُبعت الشعارات، ولُصقت على القمصان والحوائط، وأُقيمت المنتديات والتظاهرات وحلقات التناطح واستديوهات التحليل.

في عام 2012، أعادت صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية نشر الرسوم المسيئة بحق الرسول الكريم في بعض أعدادها، وهو الأمر الذي رفضته الخارجية الأميركية مثلاً آنذاك، وعلقت على هذا الأمر بقولها: «لا ندرك الحكمة من القيام بنشر تلك الرسوم مع التوقعات بشأن ما يمكن أن تثيره من استفزازات وأحداث عنف».

بل إن الحكومة الفرنسية نفسها لم تبدِ ارتياحاً لنشر مثل تلك الرسوم، كما امتنع عدد من الصحف المختلفة داخل فرنسا وخارجها عن إعادة نشرها.

لكن العقاب أتى عبر «قنبلة قذرة» جديدة، حين شن مسلحون هجوماً على الصحيفة في يناير 2015، أوقع 12 قتيلاً من العاملين بها.

مع بروز موجة العداء للإسلام، ووصول بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة، أو حصولها على عدد مؤثر من المقاعد البرلمانية في عدد من الدول الغربية، راح سياسيون يمينيون متطرفون يعبثون في المساحة ذاتها.

ظهر من بين هؤلاء السياسي الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، الذي احتل حزبه «الحرية» المركز الثاني في انتخابات عامة أجريت في هولندا العام الماضي.

يناصب فيلدرز الإسلام العداء، ولا يتوقف عن انتقاده وشن حملات الكراهية ضده، وحينما تمت استضافته في مؤتمر أقيم في أحد المراكز البحثية في تكساس بالولايات المتحدة، قبل سنوات، ليواصل هجومه على الإسلام، عوقب المركز بـ»قنبلة قذرة» أخرى؛ إذ تم شن هجوم مسلح عليه.

أعلن فيلدرز، الذي يدعو إلى «حظر القرآن في هولندا»، اعتزامه إقامة مسابقة في مقر حزبه داخل البرلمان الهولندي، نهاية هذا العام، لعرض رسوم مسيئة للرسول الكريم، معتبراً أن ذلك يندرج ضمن «الحق في حرية الرأي والتعبير»، وهو الأمر الذي تنصلت منه الحكومة الهولندية علناً، عبر إجراء اتصالات بعدد من العواصم الإسلامية، وتعبيرها عن «الأسف» من جراء هذا السلوك، الذي اعتبرته «لا يهدف إلى النقاش حول الإسلام، بقدر ما يستهدف الاستفزاز بحد ذاته».

ورغم استنكار عدد من العواصم الإسلامية إجراء هذه المسابقة، وخروج الآلاف في تظاهرات طالبت بطرد السفير الهولندي من باكستان، واستنكار جهات إسلامية معتبرة، على رأسها الأزهر الشريف مثل هذا السلوك، فإن الحكومة الهولندية وقفت عاجزة عن منع إقامة هذه المسابقة.

لكن «قنبلة قذرة» جديدة أطلت برأسها في الأسبوع الماضي، حين أوقف الأمن الهولندي شخصين، ووجه لهما اتهامات بالتخطيط لشن هجوم يستهدف فيلدرز، وتواترت أنباء أخرى عن عمليات تُعد لاستهداف عنيف للمصالح الهولندية في مناطق مختلفة من العالم.

لقد أعلن فيلدرز، الخميس الماضي، إلغاء مسابقته، لكنه برر هذا الإلغاء بـ»تفادي سقوط ضحايا للعنف الإسلامي».

ثمة خبر جيد هنا؛ فقد تجنبت هولندا فعالية مسيئة لكرامتنا ولديننا ولرسولنا الكريم، أما الخبر السيئ فيتمثل في أن هذا حدث تفادياً لـ»قنابلنا القذرة».

نريد أن نردع هؤلاء الذين يسيئون إلى مقدساتنا، وأن نحملهم على احترام عقائدنا، من دون عنف، وهو أمر لن ننجح فيه إلا من خلال تمسكنا بمبادئ حقوق الإنسان، واحترام العقائد والأديان، ونبذ الإرهاب، الذي لا يتعدى كونه «قنبلة قذرة».

* كاتب مصري