من نافل القول شرح مخاطر استمرار الانقسام الداخلي في الساحة الفلسطينية، وبعد أن صار واضحا اتجاه ضربة الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل الموجهة نحو تصفية كل مكونات القضية الفلسطينية، وكل أهداف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وبعد أن غدا واضحا أن المقصد الرئيس لما يسمى "صفقة القرن" هو مساعدة الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها، لم يبق صديق للشعب الفلسطيني إلا حاول إسداء النصح بضرورة إنهاء الانقسام الداخلي، ولم يبق عدو للشعب الفلسطيني إلا حاول استغلال الانقسام لإلحاق الضرر بنا، ولم يبق منافق أو مدعٍ إلا حاول التذرع بالانقسام لتبرير تقاعسه عن دعم الشعب الفلسطيني، أو المشاركة في نضاله، ولم تفوّت إسرائيل فرصة الانقسام، بل عملت على خلق حالة تفرد بالضفة من جانب، وبغزة وأهلها من جانب آخر.

تستطيع الأطراف المتنازعة أن تواصل الدوران في الحلقات المفرغة، حول التمكين، والتوظيف، وتقاسم فتات السلطة المحكومة بالاحتلال، ويمكن أن يستمر إغلاق الأبواب أمام إنشاء قيادة وطنية موحدة للشعب الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، غير أنه في حين يستمر كل ذلك يتسع الاستيطان وتتسرب الأرض من إيدينا كما يتسرب الماء من بين الأصابع.

Ad

لم ولا توجد وصفات سحرية لحل المشاكل، ولكن هناك وصفة أثبتت الحياة صحتها لحل مشكلة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وهي القبول بمبدأين لا غنى عن أي منهما، الشراكة الحقيقة، والالتزام بالديمقراطية الداخلية، من خلال الاحتكام للشعب.

وإذا ترجمنا هذين المبدأين إلى خطوات عملية فسيتشكل أمامنا برنامج واضح لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة يتمثل في:

1. تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة كل القوى الفاعلة والمستقلين الوطنيين، تتولى فورا إدارة جميع مؤسسات السلطة في الضفة والقطاع، بما في ذلك إدارة الأمن الداخلي، والموارد، وتنفذ خطة طوارئ عاجلة لإنهاء كل ظاهرة الانقسام، ولصياغة موازنة سياسية واقتصادية عنوانها تعزيز الصمود الوطني وبقاء الشعب الفلسطيني، ومواجهة مخاطر صفقة القرن، وقانون التهويد والتمييز العنصري الإسرائيلي، وبمشاركة كل القوى في حكومة وحدة وطنية لن تبقى ذريعة لأحد لتعطيل توليها كامل مسؤولياتها وصلاحياتها.

2. تحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني، لا يتجاوز فترة ستة أشهر إلى سنة، على أن تعد الحكومة ولجنة الانتخابات كل ما يلزم لضمان إجراء انتخابات نزيهة بالكامل.

3. دخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية وتمثيلها في مؤسساتها، وإعادة تشكيل لجنتها التنفيذية، بحيث تمثل فيها كل القوى، لتصبح الإطار الوطني، الموحد والجامع، والقيادة الموحدة المخولة باتخاذ كل القرارات الكفاحية والسياسية، دون السماح لأي طرف بالتفرد في أي منهما.

وكضمانة لاحترام نتائج الانتخابات الديمقراطية، ولنجاح كل ما ذكر من خطوات، وللحيلولة دون تفرد أي طرف حتى لو حصل على الأغلبية يجب الاتفاق على أن كل حكومة ستتشكل بعد الانتخابات ستكون حكومة وحدة وطنية تمثل فيها كل الأطراف حسب نتائج الانتخابات، وبذلك نضمن جمعا ناجحا بين نتائج الخيارات الديمقراطية حسب ما يقررها الشعب، وبين انضواء الجميع في جبهة وطنية موحدة تكون قادرة على مواجهة التحديات الهائلة التي تواجه الشعب الفلسطيني.

لم تتعرض فلسطين منذ نكبة عام 1948 لمخاطر مثل التي تمثلها صفقة القرن وقانون التهويد العنصري، ولم تتوافر لها فرصة كالتي يمكن أن نصنعها بوحدتنا لإفشال مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية، فهل نلتقط معا هذه الفرصة؟

وكل عام وأنتم وشعبنا بألف خير.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية