حين جئت لندن في مطلع 1979، كان ضياء العزاوي قد قطع ثلاث سنوات من إقامته اللندنية، وكانت ضاجة بالفاعلية الفنية، على صعيد شخصي أو عام داخل "المركز الثقافي العراقي". كنت التقيت ضياء قبل ذلك في "نادي اتحاد الأدباء"، وكان في زيارة سريعة لبغداد. كان في صحبة الفنانين إسماعيل فتاح، ورافع الناصري. قال لي: "سبق أن حاولتَ بيروت. لم لا تحاول لندن؟" كانت قدحة في الرأس لم تنطفئ. بعد أشهر صرت في لندن، وكان ضياء جاهزاً لكل عون.

بين يديّ كتابُ استعادة فنية بالغ الضخامة (500 صفحة من القطع الكبير)، والأناقة، والغنى (من تصميم وارشيف الفنان) لتاريخ ضياء العزاوي، منذ 1963 حتى سنوات الغد. هكذا يفضل تسمية الحاضر، لأن هذا التطلع يتلاءم مع اتساع أفق ضياء العزاوي الفني، من العراقي، العربي إلى العالمي. والكتاب، كما هو واضح، دليل معرض استعادي شامل سيُفتتح في أكتوبر القادم في قطر. المعلومات وافية، واللوحات أكثر من وافية، موزعة وفق تسلسل زمني، هو ذاته موزع وفق أنشطة فنية هادفة (الصورة والنص، والصورة والحدث السياسي في العراق والعالم العربي) عُرف بها هذا الفنان منذ مطلع شبابه. قد يكون الفنان العراقي، عبر الأجيال، ميالاً إلى التزام "ثيمات" و"أفكار"، ولكن ضياء ينفرد برغبة أن يلاحق التاريخ، القديم والحديث، رغبة أن يكون شاهداً على تاريخه الحاضر، المحلي والعربي.

Ad

في النصف الأول تقترب "اللوحة الهادفة" من "الشعر الهادف". وضياء قريب النسب من الكلمة ككاتب، وله إسهامات كثيرة في الكتابة الأدبية عن تجربته، وعن التجربة الفنية عامة، الأمر الذي قرّبه، لا من ملاحقة نصوص شعرية بالرسوم فقط، بل من إشراك النص كتشكيل بصري في عمله الفني، فقد وضع أعمالاً كثيرة لقصائد شعراء، عادة ما تكون "قصائد هادفة": مظفر النواب، سعدي يوسف، يوسف الصائغ، محمود درويش، البياتي، فاضل العزاوي... كما استلهم نصوصاً شعرية معروفة لتشكل أعمالاً فنية قائمة بذاتها، كما فعل مع المعلقات السبع.

ولكنّ ثمة فارقاً جوهرياً بين اللوحة والقصيدة الهادفتين؛ ان ما يحرر "اللوحة الهادفة" من الموضوع المُملى عليها من خارج إطارها يكمن في مجرد تناسي عنوانها، فأنت ما ان تحذف عنوان العمل لتجد اللوحة تستعيد استقلالها فناً بصرياً خالصاً، الأمر الذي لا يمكن أن يتيسر لـ"القصيدة الهادفة" بفعل ارتباط الكلمة بدلالتها.

ثمة مسعى لتوفير علاقة بين الشعر والرسم، ولكن تظل محدودة بضرب من المحاكاة، أحدهما للآخر. "الصورة اللغوية" داخل القصيدة، على سبيل المثال، أو التشكيل البصري في "قصيدة الرسم". ضياء العزاوي يسعى إلى توفير علاقة استثنائية بين الشعر والرسم، عبر اجتهاد نظري: "المعلقة المرسومة، موضع توسطي بين طرفي المشاهد البصرية والذاكرة اللغوية، لكن هذا التوازن لا يستمر حتماً، إذ تأتي حركة الشكل والكلمات المتناثرة الخالية من سياقها اللغوي لتخلق تعبيراً يلغي التوازن، ويكون هو البديل البصري المكون من عناصر المعلقة المرسومة (الكلمات، الأشكال، الرموز) هكذا يمكن للمعلقات أن تخلق حاضرها خارج ماضي القصيدة، وتفاصيلها اللغوية لتصبح إشارة بصرية معاصرة".

تصفح هذا السِفر الرائع قرّب إلى انتباهي ظاهرة أن اللوحة العراقية، إلا فيما ندر، لا تأبه كثيراً للتعبير عما هو داخلي في الفنان كذات فريدة. الأمر الذي نعرفه من النظرة الأولى في لوحات ﭭان ﮔوخ، ﮔوﮔان، شاﮔال، مونك، بيكاسو، فرويد، بيكون... إلخ الفنان العراقي رائي بصري لـ"مُعتقد"، أو لـ"حدث في التاريخ" أو لـ"مشهد اجتماعي". الاستثناء المتميز الوحيد وجدته لدى المرأة في الفنانة التشكيلية، في أعمالها ثمة عاطفة شخصية تخص فرديتها.

هذا الكتاب عمل فني في ذاته، والاطلاع على معظم أعمال ضياء العزاوي بين دفتي كتاب فرصة نادرة، وملهمة، فأنت تتلمس بيسر جديدَ العزاوي في الفن العراقي، وتأثيرات العزاوي على الفنانين العراقيين التالين له، ويسرّك أن تجد فيه إرادة متطلعة، وسط خراب لم يتوقف، إلى غد ينعم بجمال الصفاء والتوازن. مع أن لوحته، منذ الستينيات، تنعم بجمال هذا الصفاء في علاقات الألوان، وهذا التوازن بين الفراغ والكتل، وبين تكوينات الشخوص والأشياء.