عندما كنت مراسلاً شاباً في صحيفة "واشنطن بوست" وعملت على تغطية الإدارة الفاسدة لعمدة العاصمة ماريون باري عرفت ما يعنيه أن تكون هدفا سياسيا نافذا، فقد عمل باري وداعموه على تشويه سمعتي في مجتمع السود في العاصمة، واصفاً إياي بالدمية التي تعمل في صحيفة بيضاء، كذلك تلقيت اتصالات أخبرني فيها المتصل أن عليّ ألا أشغل سيارتي أو ذكرني بالمدرسة التي يرتادها أولادي.

وفي مرحلة ما طلب باري من ناشرة الصحيفة كاثرين غراهام أن توظف المزيد من المراسلين السود شرط "ألا يكونوا مثل خوان وليامز"، وعادت تلك الأيام الحالكة في ثمانينيات القرن الماضي إلى ذاكرتي بسبب جهود ترامب العنيفة الحالية لترهيب المراسلين، وذكرني بماريون باري.

Ad

يتشارك هذان السياسيان في استعدادهما لتطبيق سياسات متطرفة، لكن ثمة اختلاف مهم واحد: يطول الضرر الذي يسببه ترامب الأمة بأسرها، فقد بدأ هجومه على وسائل الإعلام خلال حملته الرئاسية عام 2016، ثم غرّد في عام 2017: "وسائل الإعلام الكاذبة ليست عدوي بل عدو الشعب الأميركي".

وهذه السنة أيضاً عاد إلى هجومه على وسائل الإعلام، فبعدما نقلت الصحف عنه قوله بدقة إنه يقبل إنكار روسيا التدخل في انتخابات عام 2016 في تناقض مباشر مع تقييم المجتمع الاستخباراتي الأميركي بحد ذاته، هاجم تلك الصحف، فغرّد: "حققت القمة مع روسيا نجاحاً كبيراً إلا في نظر عدو الشعب الفعلي، وسائل الإعلام الكاذبة".

تشكّل هذه استراتيجية التنمر والنعت بالأوصاف ذاتها التي تُظهر استطلاعات الرأي أنها نجحت في زعزعة الثقة بتحقيق المستشار الخاص روبرت مولر الذي يتناول احتمال تآمر روسيا مع حملة ترامب الرئاسية.

على نحو مماثل لا يرغب ترامب في أن يثق أتباعه بالصحف، ويعتقد أنهم إذا تجاهلوا التقارير الإعلامية بشأن التحقيق في الفساد سيتجاهلون أيضاً التقارير عن إخفاقه في الالتزام بوعود حملته، مثل بناء جدار وتطبيق خطة رعاية صحية أفضل من "برنامج أوباما للرعاية الصحية"، وإنهاء خطر كوريا الشمالية النووي.

تُظهر استطلاعات الرأي أن معظم الأميركيين لا يعتقدون أن المراسلين سيئون، لكن ترامب نجح في تشويه صور المراسلين بين الجمهوريين، إذ سأل استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك في شهر يوليو الناخبين: "ما الأقرب إلى وجهة نظرك: وسائل الإعلام عدو الشعب أم وسائل الإعلام جزء مهم من الديمقراطية؟".

فوافق 21% من الأميركيين عموما رأي ترامب بأن وسائل الإعلام عدو الشعب لكن 45% من الجمهوريين تبنوا وجهة نظره، في حين الديمقراطيين اعتبر 94% المراسلين جزءاً مهماً من الديمقراطية، لكن النسبة تراجعت إلى 74% بين الجمهوريين، في المقابل يعتقد اليوم 44% فقط من الجمهوريين أن الصحافة الحرة تشكّل جزءاً مهماً من ديمقراطية الولايات المتحدة الفاعلة.

بصفتي صحافياً ينتقد ترامب أقر بنجاحه في عزل نفسه عن الانتقاد بتشويهه صورة المراسلين ونعتهم بـ"العدو"، إذ تلقيت تهديدات بالقتل، كذلك تولّد صفحاتي على وسائل التواصل الاجتماعي فيضاً يومياً من التعليقات المليئة بالكره والعنصرية ممن يصفون أنفسهم بمؤيدي ترامب.

أنا إنسان ناضج أستطيع أن أصد كل هذا الكره، لكن حرب ترامب على الإعلام لا ترتكز حقاً على مضايقتي أو مضايقة وسيلة إعلامية محددة، بل يستهدف ترامب أحد أعمدة الحرية في هذه الأمة: حماية الصحافة الحرة.

كتب طوماس جيفرسون كلماته الشهيرة عن أن سيناريو بقاء الصحف من دون حكومة أفضل من بقاء الحكومة وزوال الصحف، وقدِم أخيراً ناشر "نيويورك تايمز" سولزبرغر إلى واشنطن "وأثار المخاوف من خطاب الرئيس المعادي للصحافة والمقلق جداً"، وأعلن سولزبرغر أنه حذّر ترامب من أن هجومه على وسائل الإعلام "لا يُعتبر مقسِّماً فحسب بل يزداد خطورة".

كان يُفترض أن يكون هذا اللقاء خاصاً، لكن ترامب سربه بتغريدة أساء فيها وصف اللقاء بوقت أمضاه "بالتحدث عن نشر وسائل الإعلام مقداراً كبيراً من الأخبار الكاذبة وعن كيف باتت الأخبار الكاذبة توصف اليوم بـعدو الشعب، كم هذا محزن!".

كلا، سيدي الرئيس، تطلب من محبيك أن يغمضوا أعينهم عن الأخبار الحقيقية التي تكرهها، وإذا نجحت، فلا شك أن الأمة ستواجه كارثة كبيرة.

*«خوان وليامز»