لا يسر معظم العرب لا بل يغضبهم أن يحدث لإيران كل هذا الذي يحدث، وأن تكون هذه الدولة الإسلامية مهددة بوجودها الحالي كدولة، وأن يعاني شعبها كل هذه المعاناة، والظاهر أن القادم سيكون أعظم إن بقي أصحاب القرار في طهران "يركبون رؤوسهم" على هذا النحو، لكن ما العمل إذا كانت هذه الدولة بعد ثورة عام 1979 وقبل ذلك قد استهدفت المنطقة العربية، وتدخلت كل هذا التدخل السافر في شؤونها الداخلية.

في فبراير 1979 عندما أطاحت الثورة عرش الطاووس كانت فرحة معظم العرب بمقدار فرحة القطاع الأكبر من الإيرانيين، وكان الاعتقاد بأن هناك الآن لحظة تاريخية مستجدة أصبحت فيها معادلة هذه المنطقة تقف على أقدامها بدل وقوفها على رأسها، وأن الأمة العربية باتت تستند إلى جدار متين هو الجدار الإيراني، وأن عليها لاستكمال هذه الدائرة الضرورية المطلوبة أن تتجه ومعها أشقاؤها الإيرانيون نحو تركيا، التي كان واضحاً أنها باتت تضع أقدامها على بدايات طريق التخلص من الـ"أتاتوركية".

Ad

وهكذا وباستثناء استثناءات قليلة فإن العرب كلهم، شعوباً وأمة ودولاً، رحبوا بانتصار ثورة فبراير 1979، وإطاحة نظام شاه إيران، واعتقدوا أن عمقهم الاستراتيجي قد تجاوز كشمير، واقترب من سور الصين العظيم في الاتجاه الشرقي، لكن للأسف الشديد هذا كله تلاحقت انهياراته عندما أصر كبار قادة هذه الثورة على أن الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، إيرانية، وستبقى إيرانية، وأن الخليج ليس عربياً ولا إسلامياً، بل فارسياً، وأن "إيوان كسرى" بالقرب من بغداد هو مركز الإمبراطورية الفارسية الجديدة، وأن مراقد الأئمة العظام في بلاد النهرين يجب أن ترفع فوقها الراية المذهبية وليس الراية العربية.

ويقيناً أنه ما كان من الممكن أن تندلع حرب الثمانية أعوام، التي غرست خنجراً قاتلاً في قلب العلاقات العربية – الإيرانية، لولا أن عيون هذه الثورة "الشقيقة"! التي راهن عليها معظم العرب، السنة قبل الشيعة، باتت تخترق حدود إيران الغربية، وتتطلع بعيداً في اتجاه الغرب، لاستعادة ما تسميه طهران" أملاك فارس"، وهذا أشعر العرب بأن حساباتهم خاطئة، وأن عليهم أن يستعدوا لمرحلة أكثر صعوبة من المرحلة الصفوية التي شهدت أسوأ اقتتال عرفه التاريخ بين أبناء الأمة التي من المفترض أنها واحدة.

والآن وقد بدت تظهر ملامح تغيير فعلي وجدي في إيران، إن ليس آنياً وفي هذه الفترة فعلى المدى المنظور، فإن على العرب كلهم المجاورين لهذا البلد والأبعد في اتجاه الغرب أن يأخذوا المبادرة باكراً، وأن يمدوا أيديهم إلى إخوتهم الإيرانيين بكل مذاهبهم وأعراقهم وطوائفهم وأن يساندوهم مساندة حقيقية وأن يسعفوهم في عدم تمزق وطنهم وأن يرفعوا شعار "ما مضى قد مضى بكل شروره ومنغصاته ولنبدأ بداية جديدة"، وأن القادم يجب أن يكون أفضل لأمتين هما في الحقيقة أمة واحدة... فرحها واحد وحزنها واحد... وحاضرها ومستقبلها موحد... وأن الدين الإسلامي بتسامحه ونقائه يحتوي ويستوعب الجميع.