الشعب الكويتي من طرف، والحكومة ومجلس الأمة من طرف آخر، هما في لعبة المتاهة الدائمة فيما يتعلق بالشأن المالي للدولة، بعد حالة العجز التي تدعيها الحكومة في الميزانية العامة.

الحساب الختامي للسنة المالية المنتهية في نهاية مارس الماضي تُبين تراجع العجز بنسبة 18 في المئة، ليصل إلى 4 مليارات و800 مليون دينار، علماً بأن هذه الميزانية لا تشمل دخل الاستثمارات الخارجية واحتياطي الأجيال، الذي يقدَّر بـ 600 مليار دولار.

Ad

وحتى لا أدخل في تفاصيل فنية تستدعي ردوداً مطوَّلة من خبير اقتصادي، الشيب ممتد من تحت "قحفيته" إلى زلفه، ويتفذلك عليَّ وعلى عامة الشعب الكويتي، أود أن أتكلم بلغة المواطن البسيط، فإذا كنا نعاني عجزاً في الإيرادات، فلماذا مازلنا نحوِّل ملياراً و300 مليون دينار إلى احتياطي الأجيال القادمة ونذهب لنقترض؟!... إلا إذا كانت تكلفة الاقتراض أقل من عوائد استثمار ذلك المبلغ، وإن لم يكن ذلك، فلماذا لا تبادر الحكومة بتقديم مرسوم بقانون لتجميد قانون الاستقطاع لمصلحة الأجيال القادمة، حتى تتوازن الميزانية وينتهي العجز؟

الحكومة ومجلس الأمة اللذان يريان هذا العجز المتوالي يرفضان أي تحرُّك جدي لفرض ضرائب على الأرباح والدخول المرتفعة، ويرفضان أيضاً فرض رسوم على التحويلات الخارجية، كما يحدث في كل العالم، ويعارضان بشدة رفع تكلفة أراضي الدولة على المستثمرين الكبار، ويحصران الإصلاح الاقتصادي فقط في رواتب المواطنين وتخفيض الدعوم (كهرباء، تموين، مساعدات وتكافل اجتماعي) وفرض ضريبة المبيعات على العامة، دون تفريق بين أصحاب الدخول المحدودة والأثرياء!

المشكلة في عجز الميزانية هي باب الرواتب والأجور الذي يستهلك نصفها تقريباً، وأي حل لهذه المعضلة سيكون بـ"الخصخصة" والاستغناء عن جزء كبير من موظفي القطاع العام، وهو ما سيؤدي، إذا تم، إلى مشكلة اجتماعية وسياسية كبيرة وممتدة، لذلك أقر قانون دعم العمالة الوطنية السخي لدعم القطاع الخاص منذ ما يقارب 12 سنة، والذي لم يحقق أهدافه، بل مازال القطاع الخاص الكويتي يتمنع عن توظيف العمالة الوطنية، ويخفض امتيازاتها، فيما عدا فئة محدودة في "الخاص" تضخمت رواتبها بشكل كبير، بسبب "دعم العمالة".

عامة الكويتيين في حيرة من أمرهم، فهذه الحكومة ومجلس الأمة لديهما عجز مالي في موازنة الدولة، لكنهما لا يفعلان شيئاً لمواجهته، وهو ما يرسخ الشعور العام بأن هذه الأرقام التي تُقدَّم ليست دقيقة، أو أن أصحاب النفوذ والمصالح أقوى من أصحاب القرار، فلا ضرائب إلا على الفقير، ولا إصلاح إلا بتجميد رواتب صاحب الدخل المحدود والمتوسط، بينما القياديون الذين يحصلون على ما يزيد على 12 ألف دينار شهرياً في وظائف إدارية عادية، لا مراجعة ولا ترشيد تجاههم، ونظام دعم العمالة الذي لم يحقق مبتغاه لا تتم مراجعته، ووضع حد أدنى للأجور بدلاً عنه، حتى يتحمَّل القطاع الخاص مسؤولياته تجاه العمالة الوطنية.

كل هذه الأسئلة المهمة والجوهرية التي تُطرح منذ سنوات ولم تجب عنها الحكومة قط، تؤكد أننا أمام حالة ضبابية وغير واضحة للمواطن الكويتي، وتجعله في متاهة من الأفكار تجاه حقيقة وضع بلده المالي، بينما في الخارج الجميع يعرفون حقيقة ما نملك، ومؤسسات عالمية، مثل: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أشارت إلى أن الكويت لا تعاني عجزاً فعلياً، كما أن أشقاءنا وأصدقاءنا لا يكفون عن طلب المعونات والقروض، وكذلك الدول الكبرى التي لا تتوقف عن الطلب منا عقد صفقات أسلحة بتكلفة خيالية، لأنهم يعرفون حقيقة دخلنا السنوي وما نملك!