سبق أن قدمتُ قصيدة "فن الشعر" للأميركي ماكليش، تتحدث بطريقة شعرية عما تتطلبه كتابةُ القصيدة.

الآن، وبالسياق ذاته، أقدم قصيدة لشاعر أميركي آخر، لا يقل شهرةً ونضجاً، هو بِللي كولِن- Billy Collins (1941)، تتحدث بطريقة شعرية عما تتطلبه قراءة القصيدة. قصائد تتخذ منحى نقدياً بشأن كتابة وقراءة القصيدة، الأمر الذي يشغل الشاعر الجيد في كل مكان وزمان. هناك تأويلات للقصيدة لا تتفاوت كثيراً يجتهد فيها نقاد الشعر. القصيدة بعنوان "مقدمة في الشعر"، بُنيت على مقاطع قصيرة:

Ad

مقدمة عن الشعر

طلبتُ منهم أن يأخذوا قصيدةً

ويعرضوها للضوء مثل سلايد ألوان

أو يُلصقوا آذانهم بخليّتها النحلية

قلت لهم ألقوا فأراً داخل قصيدة

وارقبوا كيف يجد مخرجه منها

أو ادخلوا غرفة القصيدة أنتم

وتقرّوا جدرانها بحثاً عن مفتاح الضوء

أردتهم يتزلجون

على سطح ماء القصيدة

ملوحين لاسم الشاعر على الشاطئ.

ولكن كل ما كانوا يريدون

هو ربط القصيدة بحبل على كرسي

وانتزاع الاعتراف منها بالتعذيب.

بدأوا جلدها بخرطوم المياه

ليتحققوا مما تعنيه حقاً.

في هذه القصيدة يسعى الشاعر إلى طلب من القارئ أن يكون صبوراً ومنفتحاً عند قراءة القصيدة، هذا العالم المدهش، من أجل أن يكتمل تشكيلها في ذهنه. قصيدة "كولن" متنكرة بالصور، كسبل إيضاح، منها تعريض القصيدة لضوء البصيرة، تماماً كما تعرض سلايد ألوان، ليرى قارئها الصورة بوضوح، ثم يدعوه إلى أن يقرّب أذنه من خليّتها، ليصغي إلى صوت نحلها (موسيقاها). ثم يوحي بالحاجة إلى شحذ قدرات القارئ عبر صورة الجرذ داخل غرفة القصيدة المعتمة التي توحي بالمتاهة، كيف يستطيع أن يكشف بمجساته الحادة سبيل الخروج.

بعد ذلك يدعو القارئ نفسه لدخول الغرفة المعتمة (القصيدة) ذاتها، ويهتدي إلى مفتاح الضوء بنفسه، ثم إلى شيء من المسرة التي يمنحها التزحلق على سطح الماء (المشاعر). وفجأة تتغير نبرة صوت المتحدث، من الأريحية في سبل بلوغ المعنى إلى نبرة اتهام يوجه إلى أولئك الذين لا يحسنون التعامل مع النص الشعري، فهم أشبه بالجلادين الذين يُرغمون القصيدة على الاعتراف القسري.

هذا الاجتهاد في التأويل نافع، على ألا يُفهم كما لو كانت الصور المتوالية رموزاً لمعانٍ حرفية.