لم يتجلَّ الشعور الإيجابي الذي أمل إيمانويل ماكرون أن يولّده فوز فرنسا بكأس العالم لكرة القدم، فقد سعى إلى استغلال هذا الانتصار قدر الإمكان، إلا أنه سرعان ما أُرغم على العودة إلى أرض الواقع عندما اصطدم بعقبة قد لا تكون عابرة، بل ربما تكون صفعة قوية سددها رئيس حرس ماكرون السابق ألكسندر بينالا، الذي صُوّر أثناء ضربه متظاهراً وهو متنكر بزي شرطي خلال مسيرة يوم عيد العمال في وقت سابق من هذه السنة.

منذ انتشار هذا الخبر قبل بضعة أيام استحوذ على اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية، وسمح صمت ماكرون عن سلوك بينالا في البداية لأعدائه بنسج قصتهم الخاصة، فقد شبّه زعيم اليسار المتشدد جان-لوك ميلونشون هذه الفضيحة بفضيحة ووترغيت، فيما راحت الصحف تلمح في نهاية الأسبوع إلى أن هذا الحارس الشخصي يمسك ذلة على ماكرون، لكن الرئيس أنكر ذلك، وقال مازحاً: "لم يملك ألكسندر بينالا مطلقاً الشفرة النووية، بينالا ليس عشيقي"، لكن هذه الدعابات تخفي وراءها شعوراً بالغضب العميق لدى الرئيس لخروج هذه القصة عن السيطرة بهذه الطريقة، إذ أعلن: "لدينا صحف ما عادت تتقصى الحقائق"، إلا أن الاعتماد على صيغة "الأخبار الملفقة" لن تجدي نفعاً مع الشعب الفرنسي، وربما بدأ الفرنسيون يسأمون من هذه القصة مع دخولها أسبوعها الثاني، بيد أن هذه الفضيحة تشكّل بالنسبة إلى كثيرين إشارة إلى رئاسة بدأت تفقد زخمها.

Ad

خلال السنة الأولى من رئاسته، مثّل ماكرون إعصاراً بشرياً، كاسراً كل التقاليد والممارسات التي ظلت قائمة لعقود، فلم يمر أسبوع من دون صدور مبادرة جريئة أخرى من الإليزيه، واعدةً بإصلاح البلد نحو الأفضل، ورغم ذلك ارتفعت البطالة خلال الربع الأول من عام 2018 بنسبة 0.9% لتصل إلى 9.2%، فيما تباطأ النمو الاقتصادي وتراجع إلى 0.3% بعدما كان 0.7% خلال الفترة عينها من عام 2017، ودعت الحكومة إلى التحلي بالصبر، لكن هذه الدعوة تبدو في غير محلها، وخصوصاً أنها تصدر عن رئيس يفتقر على ما يبدو إلى هذه الصفة، كذلك نعيش في عالم يتوقع فيه الناس الحصول على نتائج فورية، لكن هذا النتائج لم تتحقق بعد وبدأ الاستياء يتفاقم.

إذا بدا أداء ماكرون مخيباً للآمال محلياً، فلم يكن أيضاً على قدر التوقعات على المسرح العالمي، صحيح أن الرئيس الفرنسي التقى معظم قادة العالم خلال الأشهر الخمسة عشر الأخيرة، إلا أن كل هذا التملق لم يؤدِّ إلى أي نتائج ملموسة، وخصوصاً مع دونالد ترامب، ظن ماكرون أنه فهم كيفية التحكم في الرئيس الأميركي، إلا أنه اكتشف خلال زيارته الرسمية إلى واشنطن في شهر أبريل أنه مهما قدّم من نصائح جدية لترامب في مسائل مثل تغير المناخ والصفقة النووية الإيرانية، لن ينجح في تبديل موقفه.

علاوة على ذلك، لم تشهد خطة ماكرون، التي نُشرت أول مرة قبل سنة وهدفت إلى إقامة "نقاط ساخنة" في ليبيا بغية التعاطي مع طلبات اللجوء، أي تقدّم، وفي الوقت عينه أغضب حكومات إيطاليا، وبولندا، وهنغاريا بتعليقات تراوحت بين العجرفة والرياء، كذلك أخفق في إقناع ميركل برؤيته عن الدرب الذي يجب أن تسلكه أوروبا.

إذاً، يعكس كل هذا صورة رئيس يتبدد وعده الأول، صحيح أن خصومه السياسيين الرئيسين ما زالوا مشتتين، إلا أنهم استغلوا قصة بينالا ليولدوا ما دعته صحيفة "لوفيغارو": "أول أزمة كبيرة في رئاسته"، وهل تؤدي هذه الأزمة إلى أي ضرر دائم؟ كلا على الأرجح، مع أنها حطمت صورته المثالية التي رسمها بعناية فريقه الواسع من الخبراء في هذا المجال.

إذاً، ماكرون ليس معصوماً، وعلى غرار ملاكم أنهكه خصمه ويرجو سماع صوت الجرس قريباً، يتوق ماكرون إلى عطلة أغسطس، لا شك أنه سيستخدم هذا الوقت لإعادة تنظيم صفوفه والتركيز مجدداً، وخصوصاً أنه يدرك أن فصل الخريف سيحمل معه بداية حملة الانتخابات الأوروبية، التي ستُعقد في شهر مايو المقبل، حيث تشكّل هذه الانتخابات أول امتحان جاد لرئاسته، فقد ازداد خصومه جرأة، إذ يرى أمثال مارين لوبان، ولوران فوكييه، وميلونشون، وكل المناهضين للوحدة الأوروبية في هذه الانتخابات فرصة ممتازة لاستغلال المشاعر المناهضة لبروكسل التي تجتاح القارة، فضلاً عن تسديد ضربات أخرى للرئيس على غرار صفعة بينالا.

* غافن مورتيمر

* «سبكتايتور»