في الحملة الانتخابية الباكستانية المثيرة للجدل، تحدث المرشح الأول عمران خان، على غرار سائر المرشحين، عن الفساد أكثر مما تناول العلاقات الدولية، لكن باكستان تصوت في وقت تُعتبر فيه علاقاتها الخارجية الأكثر هشاشة منذ عقود، وخصوصاً مع توجيه الولايات المتحدة وأفغانستان أصابع الاتهام إليها لسماحها لمقاتلي طالبان بالعمل انطلاقاً من ملاجئ لهم في باكستان ومع تفاقم التوتر في مواجهتها مع عدوها اللدود الهند بسبب منطق كشمير المتنازع عليها.

سعى قادة باكستان إلى موازنة الاستياء الأميركية والعدائية الهندية ببناء روابط أقوى مع الصين، لكن هذه الخطوة لم تأتِ من دون ثمن: تلوح في الأفق أزمة دين عززها جزئياً تنامي القروض الصينية، وتهدد هذه الأزمة بفرض قيود على اقتصاد باكستان الذي يساوي 300 مليار دولار تقريباً والذي ينمو بأسرع وتيرة له منذ 13 سنة، ونتيجة لذلك، عادت باكستان للطرق على باب صندوق النقد الدولي، وما يزيد الطين بلة أن مجموعة العمل المالي في باريس وضعت باكستان مرة أخرى على لائحة مراقبة تمويل الإرهاب، مما ضاعف بالتالي عزلتها الدولية.

Ad

طوال أكثر من عقد اليوم، يحرّك خان، وهو سياسي وطني يتمتع بشعبية كبيرة ومرشح دائم لمنصب رئيس الوزراء، قاعدته بإثارة مسألة سيادة باكستان المهددة، فمنذ عام 2008، عارض خان حملة الطائرات بدون طيار الأميركية المثيرة للجدل في المناطق الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، منتقلاً إلى مختلف أرجاء البلد للقاء مدنيين تعرضوا للإعاقة أو التهجير من جراء هذه الضربات، كذلك قاد مسيرات ضد عمليات القتل الجوي هذه، بالإضافة إلى ذلك، تحدى خان باستمرار قادة باكستان لسماحهم للولايات المتحدة باستخدام بلدهم كـ"قاتل مأجور" في حروبها، فضلاً عن أنه من أشد معارضي "الحرب على الإرهاب" الأميركية، محملاً مراراً الرئيس وقائد الجيش الباكستاني السابق برويز مشرف مسؤولية دفع البلد إلى ما دعاه حرباً "غبية". عندما أعلنت إدارة ترامب أخيراً أنها ستعلّق المساعدات الأمنية إلى باكستان إلى أن يتخذ هذا البلد خطوات ضد حركة طالبان أفغانستان وشبكة حقاني، دعا خان إلى "طرد العدد الكبير من الموظفين الدبلوماسيين، وغير الدبلوماسيين، والاستخباراتيين الأميركيين من باكستان في الحال"، وطالب أيضاً بإقفال الطرقات البرية والجوية التي تسلكها الإمدادات العسكرية الأميركية إلى الجنود في أفغانستان، وأعلن أن الرئيس الأميركي ترامب يجعل من باكستان كبش محرقة يحمله مسؤولية إخفاق الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة في إنزال الهزيمة بطالبان ونشر السلام في أفغانستان. واعتبر أيضاً أن الولايات المتحدة تسيء إلى ذكرى آلاف الجنود الباكستانيين الذين لقوا حتفهم خلال محاربة التمرد في مناطقها القبلية، فضلاً عن أكثر من 60 ألف باكستاني ماتوا في الهجمات الإرهابية.

تشير حملة خان المستمرة المناهضة للولايات المتحدة، رغم ماضيه كأحد خرجي أكسفورد وكزير نساء كثير الأسفار، إلى مدى أهمية الشعبوية كعنصر ثابت في السياسة في باكستان.

ولكن عندما يصبح خان أخيراً في السلطة بعدما أمضى نحو عقدين على هامش السياسات الباكستانية، قد لا يعود بحاجة إلى ركوب موجة باكستان المستمرة من المشاعر الشعبية المناهضة للولايات المتحدة بالحماسة ذاتها، فما إن يبدأ عمل إدارة الدولة، يميل الخطاب تلقائياً إلى التوازن، ولا شك أن للسلطة تأثيراً يدفع معظم القادة إلى الاعتدال، بمن فيهم خان على الأرجح، وخصوصاً أن الجيش الباكستاني، المستفيد الرئيس من المساعدات الأمنية وصانع القرارات الفعلي في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية، يرغب بشدة في إنقاذ علاقته مع الولايات المتحدة، ورغم عناد خان الشهير، بدا مستعداً للتخلي عن سياسيين كانوا أوفياء له، أمثال علي محمد خان وشوكت يوسف زاي، ليتعاون مع مرشحين يملكون حظوظاً أكبر بالفوز، مثل سردار غلام عباس وخوسرو بختيار، بغية تحسين فرص حزبه.

يذكر مشرف زيدي، خبير متخصص في شؤون باكستان عمل مستشاراً لوزارة الخارجية بين عامَي 2011 و2013 وكتب وفرة من الأعمال عن خان: "تتحسن في الوقت الحالي الروابط مع الولايات المتحدة بفضل تزايد التعاون في مسألة أفغانستان، لذلك تتراجع الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن خان سيسعى إلى إحداث خضة".

يشير زيدي إلى قتل الإرهابي الأشد خطورة في باكستان، الملا فضل الله، في غارة نفذتها طائرة من دون طيار في أفغانستان، فضلاً عن كثرة الزيارات الرفيعة الشأن أخيراً التي يقوم بها مبعوثون أميركيون إلى باكستان ومسؤولون باكستانيون إلى كابول والعكس. تهدف كل هذه الخطوات إلى بناء الثقة بين الولايات المتحدة، وأفغانستان، وباكستان في مرحلة بالغة الأهمية من مفاوضات السلام مع طالبان أفغانستان.

أعلن جنرالان متقاعدان يعملان مستشارين لخان في مسائل السياسة الخارجية أنه يدرك تماماً تأثير باكستان العميق في محدثات السلام الأفغانية، وأضاف أحدهما: "لن يخاطر عمران بخوض مواجهة في هذه المرحلة المفصلية. فهذا سيناريو كارثي، وهو يعي ذلك".

* «فورين بوليسي»