خلال الأيام الماضية انشغل الشارع الكويتي بقصة الطبّاع المزور، وعبّر عن رفضه للفساد بكل أشكاله وكل الوسائل المتاحة للقضية، خصوصاً أن هذه القضية هزت من قيمة التعليم، ورمت بتبعاتها على أجهزة الدولة، لكنها حتماً خطوة باتجاه محاربة الفساد وبيان براءة من الفاسدين.

بالرغم من صلاحيات وظيفته البسيطة استطاع هذا الموظف اختراق منظومة إدارية كاملة لمعادلة الشهادات، والتي بالعادة تأخذ فترات طويلة لتصديقها من لجان ومراسلات بين الوزارة والمكاتب الثقافية وديوان الخدمة المدنية، حيث من المتوقع أن تكون الأرقام في محصلتها النهائية صادمة متى ما فتحت وزارة التعليم العالي باب الشهادات المزورة على مصراعيه.

Ad

في البداية يحسب للأخ وكيل التعليم العالي الدكتور صبيح المخزيم والموظفين الذين لم يتستروا على هذا الملف موقفهم، لكن موضع الشاهد في قضية التزوير انحرف عن مسار المشكلة حتى صارت المطالبات بترحيل الوافدين وإحلالهم بالعنصر الوطني، وحكايات لا أعرف كيف يروج لها بهذه السذاجة، وبطولات ومديح تنسب إلى هذا وذاك، وإشادة حكومية ونيابية حول كشف هوية طباخ الشهادات المزورة عفواً "الطبّاع".

لقد كفل الدستور الكويتي حق التعليم للمواطنين، وكفل لهم مواصلة تعليمهم في الخارج والداخل لتحسين وضعهم الوظيفي والعلمي، لكن المشرع ترك موضوع تنظيم اعتماد الشهادات للتعليم العالي، لذلك بات من الضروري الإسراع في صياغة لائحة تنظم وتحدد قائمة الجامعات المعترف فيها، ومراقبة نظم الدراسة فيها، وبما يتماشى مع معايير الجودة العالمية وقوانين دولة الكويت.

لقد غيرت الكثير من الجامعات نظامها الدراسي التقليدي لتواكب تطورات العصر، فبعضها يقدم درجات أكاديمية عبر نظام التعليم عن بعد، وبعضها يعادل سنوات الخبرة المهنية عوضاً عن الشهادة الجامعية للحصول على درجة الماجستير، وبذلك يُقبَل طلبة من خريجي الدبلوم، والبعض الآخر يكثف البرنامج الدراسي للمرحلة الجامعية لتصبح ثلاث سنوات أو أقل، وهي أمور تخص الجامعة والطالب، ولا تدخل ضمن التزوير.

ووزارة التعليم العالي في هذه الحالات ليست مجبرة على اعتمادها لعدم تماشيها مع معايير الاعتراف المعمول بها بدولة الكويت، لذلك لا بد من التفريق بين هذه الجامعات وبين ملف التزوير.

الحديث عن الفقرة السابقة قد لا يدخل ضمن الشهادات المزورة، ولكنه يدخل من باب كشف الحقائق لشهادات أي كلام، والتي تقدمها جامعات أقل ما يقال عنها أنها ضعيفة، لكن أصحابها استطاعوا أن يدخلوا في السلك التدريسي بسبب ما سأكتبه في الفقرة التالية، وبسبب تساهل التعليم العالي في اعتماد هذه الجامعات.

المشكلة الحقيقية قد لا تكون في الشهادات المزورة، وذلك لسهولة كشفها، لكن في نوعية الشهادات الضعيفة التي تسرب بعضها إلى جسد مؤسسات التعليم العالي، ونال أصحابها من مكانتها العلمية، لذلك المطلوب إصدار بيان تكشف فيه كل مؤسسة عن وضعها الأكاديمي والإجراءات التي ستتخذها، فمن غير المقبول أن يستمر اتهامها في ملف الشهادات المزورة والبحوث المسروقة وتظل ساكتة.

في النهاية الطريق سهل لمواجهة الفساد، لأن الفاسد دائماً حجته ضعيفة، لكن المشكلة كما قال الإمام علي "حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق".

ودمتم سالمين.