يرغب ترامب في أن يلقّن الصين درساً، لكن الدرس الذي تتعلمه الصين قد يكون للأسف معاكساً تماماً لما يعتقد ترامب أنه يلقنها إياه.

نشرت إدارة ترامب لائحة بالرسوم الجمركية المقترحة على منتجات صينية بقيمة مئتي مليار دولار، ستُضاف هذه إلى رسوم جمركية بقيمة خمسين مليار دولار على السلع الصينية استُهل تطبيقها جزئياً قبل أيام، وذكر ترامب أيضاً أن العمل جارٍ على جولة أخرى تستهدف سلعاً بقيمة 300 مليار دولار.

Ad

لنقم ببعض العمليات الحسابية: إذا مُررت كل هذه الرسوم، فسنحظى بضرائب جديدة على سلع صينية بقيمة 550 مليار دولار، أي ما يفوق المجموع العام للسلع الصينية التي استوردتها الولايات المتحدة السنة الماضية. ترى الصين نفسها ضحية هنا وتتعهد بالرد بالمثل، لكن ما نشتريه من سلع من الصين يفوق ما تشتريه هي منا بأربعة أضعاف، ما يعني أن جعبة الصين من المنتجات الأميركية التي تستطيع فرض رسوم جمركية عليها ستفرغ قبل وقت طويل من جعبة الولايات المتحدة من السلع الصينية.

يعتقد ترامب، على ما يبدو، أن الصين ستُضطر نتيجة ذلك إلى الرضوخ لمطالبه المحيرة التي لا تنفك تتبدل، بغض النظر عن ماهيتها. إذاً، النصر قريب!

لكن ترامب لا يدرك أن للصين الكثير من الأدوات الأخرى التي تستطيع استخدامها للرد، فبإمكان الحكومة الصينية بالتحديد، من دون الرسوم الجمركية حتى، أن تصعّب جداً حياة عدد كبير من الشركات الأميركية العاملة في ذلك البلد. على سبيل المثال، قد تستخدم الصين الحملات الدعائية كي تنظم عمليات مقاطعة المستهلكين سلعاً أميركية مثل iPhone تماماً كما فعلت بنجاح خلال السنوات الماضية حين رغبت في معاقبة الشركات الكورية الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، عمد مسؤولو الجمارك أخيراً إلى حجز حمولة من الكرز الأميركي طوال أسبوع، حسبما أفادت زميلتي دانيال باكيت في صحيفة واشنطن بوست، ونتيجة لذلك فسدت وأُعيدت إلى الولايات المتحدة، وعلى نحو مماثل، سجّل مصنّع سيارات أميركي زيادة بنسبة 98% في عمليات التفتيش العشوائية عند الحدود خلال الشهر الماضي.

في الوقت عينه، تخشى الشركات الأميركية العاملة في الصين ارتفاع عدد عمليات التفتيش للتحقق من الالتزام بقيود الحماية من الحرائق والقواعد البيئية، علماً أن هذه أداة سبق أن استغلتها الحكومة لترفع كلفة العمل اليومية. علاوة على ذلك، أعلنت الحكومة الصينية أنها ستغدق مساعدات سخية جديدة على شركاتها الخاصة التي تطولها نيران رسوم ترامب الجمركية، ولا شك أن هذه التطورات تنطوي على مفارقة محزنة.

تهدف حرب ترامب التجارية في الظاهر إلى حمل الصين على وقف ممارساتها التجارية التعسفية، بما فيها سوء معاملة الشركات الأجنبية والمساعدات الحكومية الكبيرة التي تُقدّمها للصناعة المحلية، ولكن بما أن الصين تواجه اليوم موقفاً حرجاً بسبب رسوم جمركية لا يمكنها مضاهاتها وتشعر بضغط سياسي كبير يدفعها إلى التأكيد أنها لا ترضخ للتنمر، فقد تعزز بقوة السلوك السيئ ذاته الذي تسعى الولايات المتحدة إلى وقفه، ولكن ما كان هنالك من داعٍ لأن تتخذ التطورات هذا المنحى. شهدت الحكومة الصينية جهوداً إصلاحية تدريجية مؤيدة للسوق قادها مسؤول شي جين بينغ الاقتصادي الأبرز، لكن استراتيجية الإصلاح هذه أثارت الكثير من الجدل، ويبدو أن حرب ترامب التجارية تقوّي موقف المتشددين المناهضين للإصلاح، الداعين للتخطيط الصناعي، والمؤيدين للتشدد في التعامل مع الأجانب.

أخبرتني ماري إ. لوفلي، بروفيسورة متخصصة في العلوم الاقتصادية في جامعة سيراكيوز، أن الأمل الأفضل للشركات الأميركية في هذه المرحلة يكمن في أن تسعى الصين رغم ذلك إلى إقناع الدول الأخرى بأنها ما زالت شريكاً تجارياً يُعتمد عليه ومكاناً آمناً للاستثمار.

على سبيل المثال، وقّعت الصين اتفاقيات تجارية مع ألمانيا قبل أيام، كذلك يحاول شي على نطاق أشمل تصوير الصين على أنها نصير العولمة الجديد في العالم، لكن الضربات المسيئة إلى الشركات الأميركية قد تقوّض هذه الرسالة، وخصوصاً في دول سبق أن عانت سوء المعاملة ذاته من الصين.

ولكن نظراً إلى العدد الكبير من هذه الدول عينها الذي نفره ترامب أيضاً في الآونة الأخيرة، وخصوصاً في قمة حلف شمال الأطلسي الكارثية أخيراً، فقد تنجح الصين في "الرد بقوة" من دون أن تعرّض سمعتها لضرر يُذكر.

يوضح إسوار براساد، بروفيسور متخصص في السياسات التجارية في جامعة كورنيل: "إذا عمدوا إلى التشدد في التعامل مع الشركات الأميركية فحسب، فقد يقول سائر العالم: نعم، هنيئاً للصين!".

* «واشنطن بوست»