دار حوار بيني وبين ابني عن اضمحلال اللغة العربية، وكان رأيه أن هذا آخر زمن لهذه اللغة، حيث بدأت تضيع مع أجيال القرن الـ 21 منذ بداية زمن التسعينيات، وأصبح كثير من الشباب الكويتيين لا يجيدون الكتابة ولا التحدث بها، وصارت الإنكليزية تدريجياً لغة التعبير والكتابة والكلام، وأضاف أن وقت طفولته نهايات الثمانينيات كان أطفال جيله مازالوا يتقنون الكتابة والتحدث بالعربية ويسعدون بالمسلسلات والبرامج العربية لذاك الزمن، أما الآن فهو يرى أن ضعف الأجيال الحالية باللغة جعل لها مفاهيم وتوجهات مختلفة عن أبناء جيل الثمانينيات الذي توقفت عنده اللغة العربية، وبرأيه أن السبب يعود، كما قال إدوارد سعيد، إلى النظرة الاستعمارية التي جعلت العربي ينظر باستهجان وبنظرة دونية للغته ومنتجاتها التي لا توازي لغة الغرب وإنجازاتها.

كان حوارنا طويلاً، ولم نصل إلى نتيجة مقنعة لكلينا، لاختلافنا في منهج التحليل ونتائجه، حيث إنني غير مقتنعة بفكرة انتهاء اللغة العربية ومحوها، وأن آخر علاقة لزمن تألقها كان في الثمانينيات.

Ad

كان ردي أن المحو والاضمحلال لم يطولا اللغة وحدها، كما أنهما لم يختصا بالكويت فقط، بل انتشرا في العالم كله الغربي والشرقي على حد سواء، تحت مسمى الحداثة والمدنية والتطور، وبالتدريج بدأ التخلي عن عادات وتقاليد وأنظمة حياتية وتراثية خطوة خطوة، وأخذت الأوراق القديمة تتساقط ورقة ورقة، من بدء الثورة الصناعية الأوروبية وحتى ما قبلها، فالتطور والتغير هما سنّة الحياة، فمن زمن الدولة العثمانية وطربوشها الذي ارتداه العرب، ماعدا أهل الخليج العربي، كان علامة لثقافة إسلامية سادت في ذاك الوقت بزيها وعاداتها، ومع زوال الدولة العثمانية ونهايتها انتهى زمن الطربوش.

في الخليج والكويت على وجه الخصوص، نجد أن التغير بدأ مع ظهور البترول وما تبعه من انفتاح وزيادة الاستيراد، وبالتالي دخول الآلات المختلفة، مثل الراديو والثلاجة والغسالة والتليفون والتلفزيون وغيرها، أدخلت معها ثقافاتها، أي ثقافة كيفية استخدامها، وبالتالي بات هناك مفهوم غربي جديد في التعامل معها، محى وحلّ محل العادات اليومية السائدة في التعاملات الخدمية في البيوت، وهذا الإبدال والمحو بدآ يطولان كل شيء، بدءاً من العمل اليدوي الذي حلّت الآلات مكانه، وبات هو الأساس، كذلك انعكس هذا التطور على الأزياء والسلوك، فقد اختفى الوزار الذي يرتديه الرجال، كما اختفى رداء الزبون للوجهاء، وانتهى زمن البوشية والبخنق والدراعة، وأصبحت من التراث، وكذلك أدوات الزينة وأثاث البيت وطراز البناء ونوعية مواده، وحلّ التغير أيضاً على تخطيط المدن وشوارعها ونظمها السياسية والاجتماعية والعادات والتقاليد، كل شيء تغيّر، وبالتدريج يطوي المحو أجيالاً وأزماناً بكل ما جُبلت عليه، وهذا التغير أصاب العالم كله بما فيه العالم الغربي ذاته الذي ساهم وساعد بعد ذلك بمنتجاته على حل وتغيّر عادات وتقاليد الدول الأخرى عن طريق غزو ثقافة استخدام الآلة.

نأتي إلى الكويت بعد زمن الثمانينيات، حيث ازداد الانفتاح، وأصبح العالم كله قرية كونية بفضل دخوله إلى عالم الإنترنت والتواصل الإلكتروني، ولم يعد هناك مجال لأي دولة أن تكون بعيدة أو خارجة عن هذه المنظومة العالمية والإنسان العالمي المتشابه والمتماثل في متطلبات حياته اليومية العادية، وبالانضمام إلى هذه الشبكة بات من الضروري استخدام لغتها والتعامل بها، ولغتها هي الإنكليزية التي هي لغة الآلة وأجهزة التعامل والتخاطب بين البشر، وهكذا نجد أن ثقافة استخدام الآلة هي التي فرضت لغتها في التعامل والتخاطب.

فهل هذا يعني نهاية زمن استخدام اللغة العربية؟

كذلك ازدياد المدارس الأجنبية بتعليمها الذي يرسخ اللغة الإنكليزية على "العربية" ساعد على تكريسها أكثر وأكثر.

وقد ساهم وجود الشغالين والعاملين والمربيات داخل المنازل الكويتية في الإضرار باللغة العربية بشكل كبير، حيث باتت اللغة المفهومة والمتداولة بين الطرفين هي الإنكليزية، فهل هذا يحمل موتاً للغة العربية في الكويت؟

الصحيح أن "العربية" تقلص حجمها في الكويت بين الأجيال التي أعقبت زمن الثمانينيات، لكن لا شيء ثابت في هذا العالم المتطور بسرعة رهيبة، فالإحلال بات ظاهرة كونية تطول كل شيء، والسائد اليوم يمحى في غده، وربما ينكص إلى الوراء حينما تظهر عدم فائدته، أو تعود الحاجة من جديد إلى المنتفي.

ولن تغيب الشمس عن لغة القرآن.