تنتقي سلسلة «من المسرح العالمي» الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أعمالاً مسرحية لها أهميتها ومكانتها لترجمتها، وتعد مسرحية الطرواديات لسينيكا الفيلسوف والشاعر من أفضل أعماله في المسرح، لتميزها بأسلوب محكم قوي يستمتع القارئ بقراءته لأنه حوى من معان وأفكار سامية، ومناقشة لقضايا إنسانية تدعو إلى التفكير والتأمل.

تعد المسرحية نموذجاً مجسداً لمساوئ الحروب في كل زمان ومكان، تلك الحروب التي تستمر لأعوام طويلة، فيضيع معها الهدف الحقيقي من وراء إشعال نار فتيلها، ولا يبقى منها إلا الخراب والدمار وعواقب غرور الانتصار.

Ad

وتقول د. سمية موسى في التقديم للإصدار: «ناقشت «الطرواديات» مصير الإنسان بعد الحروب، خصوصاً أصحاب السلطة والحكم، حينما تُسفر الحرب في نهايتها كما يبدو عن منتصر ومهزوم ما يناقشه سينيكا، هل فعلاً هذه هي نتيجة الحرب؟ إنها تبدو كذلك ظاهرياً ومادياً فقد أمدته أسطورة حرب طروادة الشهيرة بالموضوع الذي استطاع من خلاله أن يعرض رؤيته عما يعتري النفس البشرية بعد انتهاء الحرب. فالمعسكر المهزوم والذي لم يتبق منه سوى النساء الطرواديات، قد تحلين بالحكمة المتمثلة في هيكوبا ملكة طروادة، وبالشجاعة وعدم الخوف والتي جسدتها انروماخا زوجة ابنها هيكتور، البطل الطروادي الذي قتل أثناء الحرب، وابنه الطفل أستيانكس والفتاة بوليكسينا ابنة هيكوبا، والطفل والفتاة اللذان لم يشتركا في الحرب، تقرر قتلهما بلا ذنب، فيواجها مصيرهما بشجاعة». وتشير إلى أن المعسكر المنتصر أظهره سينيكا خائفاً إما من المصير الذي لقيه المهزوم وهو ما عبر عنه أجاممنون، قائد القوات الإغريقية، أو خائفاً من المستقبل بإشعال الحرب مرة ثانية على يد الجيل الجديد انتقاماً لمن قتل من الأجداد والآباء، وهو ما ذكره يوليكسيس، أحد القادة الإغريق البارزين والذي علّل قتل ابن هيكتور الصغير بالخوف على ابنه من الانتقام، وكذلك هيلينا، السبب المباشر لهذه الحرب، أظهرها سينيكا خائفة من العودة إلى وطنها بلاد الإغريق كي لا يقتص منها شعبها جزاءً لمن قتل من أبنائه.

مفهوم الحرب

حول مفهوم الحرب لدى سينيكا توضح موسى: «لم تسفر الحرب عن منتصر ومهزوم، فالمنتصر مادياً مهزوم معنوياً، والمهزوم مادياً منتصر معنوياً، فالكل مهزوم مادياً أو معنوياً، هذا ما أراد سينيكا أن يبلغه من خلال مسرحيته الطرواديات، أي أن الحرب خسارة كبيرة، تعانيها البشرية، لا يجب أن ينظر إليها من منظور مادي فقط، بل ثمة منظور آخر لا يقل أهمية عن الجانب المادي ألا وهو الجانب النفسي المعنوي».

وفي ما يتعلق بالترجمة تقول موسى: «ترجمت عن الأصل اللاتيني مباشرة وكان ممتعاً، فهو يخلق تعايشاً فكرياً ووجدانياً مع المؤلف ويُمَكْن المترجم من التعبير عن أفكار المؤلف من دون وساطة من لغة أجنبية حديثة، وإن كان لا يغفل دورها في إثراء الفكر والتعبير، فهي ليست ترجمة كلمات، بل هي معان وصور وأفكار يطوعها المترجم إلى لغة أخرى لها من القواعد والجماليات يحرص عليها المترجم ليتفهمها القارئ، فيتم إبلاغ الرسالة بصدق وأمانة وشفافية.