كما اعتادت كل صيف، تواجه البصرة ميناء العراق الأشهر ومركز نفطه وثقافته، نقصاً كبيراً في الطاقة الكهربائية، وصعوداً لملح الخليج إلى عمق نحو 80 كيلومتراً داخل شط العرب بسبب شح المياه العذبة القادمة من دجلة والفرات.

ومنذ صيف 2010 تبدو الاحتجاجات الشعبية تقليداً ثابتاً هناك، خصوصاً في شمال المدينة القريب من الأهواز، حيث العشائر المقاتلة حادة المزاج، والتي تختلف طباعها عما يعرف عن جنوب البصرة وغربها من حلم وصبر وتريث، إلا أن المختلف هذه المرة هو ارتفاع أكبر في كمية الأملاح، وتأخر مشاريع الحكومة لبناء محطات تصفية المياه للميناء الوحيد في المنطقة، والذي لا يمتلك مشروع تحلية بحرياً، كما يعبر أهلها.

Ad

ووسط اتهامات علنية لإيران بمحاولة ركوب الموجة واستهداف مصالح الغرب، انعطفت شرارة الاحتجاج البصراوي هذه المرة منذ مطلع الأسبوع، وأدت إلى مقتل وإصابة عدد من الأشخاص، وتحولت من مطالبة بالكهرباء والمياه العذبة، إلى المطالبة بطرد العمال الأجانب من حقول النفط، لتوفير فرص عمل بمرتبات مغرية لأعداد كبيرة من العاطلين أو العاملين في مؤسسات خاسرة لا تمنح معاشات كافية.

ولأول مرة بهذا المستوى، يصر المتظاهرون على الاتجاه نحو مقرات الشركات الأجنبية العملاقة التي ساعدت العراق على زيادة إنتاجه إلى نحو الضعف، وجعلت البصرة تكتسب، خلال الأعوام الماضية، سمعة جيدة بتصالحها مع الأجانب حتى في حالات الانهيار الأمني حول بغداد، لكن الأمر ربما يكون مرشحاً إلى أن يتغير.

وأدى استهداف مقرات الشركات إلى فتح الباب أمام تفسيرات عدة، أبرزها أن جماعات مقربة إلى إيران تريد ركوب موجة الغضب، وجعلها تنحرف لإيصال رسالة تهديد إلى المصالح الغربية، وبات كثير من البصريين يتحدثون بهذا علناً.

وتعيش البصرة ازدهاراً غير مسبوق في الاستثمارات الفندقية والثقافية، وعودة المسارح والسينمات، وانطلاق أعمال الكوميديا والفنون، إلى جانب استئناف صناعات عديدة، وأحلام حول تطوير الموانئ، لكن المدينة بأربعة ملايين مقيم فيها، تحمل على عاتقها مشاكل أربعة عقود من الحرب ليس من السهل محوها، رغم أن %8 من العوائد المالية للعراق تأتي من البصرة.

أما أعيان المدينة ووجهاؤها فلا يخفون قلقهم من حصول تدخل إيراني أو غيره، يحرف التظاهرات عن طبيعتها السلمية، مع تكرر إطلاق النار، واستخدام الحجارة والآلات الحادة ضد القوات التي تحمي الشركات الأجنبية، لكنهم لا يريدون أن تصبح هذه الهواجس مبرراً لمنع البصريين من الاحتجاج.

وكتب مزاحم الكنعان كبير مشايخ تميم، على «فيسبوك» أن «الحلول الترقيعية لن تُجدي نفعاً، إذ لابد من خطط استراتيجية تتضمن مشاريع كبرى خلال جدول زمني واضح يتلمس المواطن وجودها، ويتابع تنفيذها فيصبر ويتحمل بانتظار ثمارها»، خاتماً بعبارة دالة «إن الوضع لا يطاق، والنفوس ضاقت بما هي فيه، والانفجار بدأ ولم يبدأ. إنه يتولد».