تتعلق واحدة من أقدم ذكرياتي بشأن السياسة الخارجية الأميركية بدونالد ريغان، حين كان يجلس وراء مكتبه في المكتب البيضاوي ويوضح بأسلوبه الحكيم أننا سنقصف ليبيا. كنت في الثامنة من عمري في تلك الحقبة. كان والدي يحب ريغان لذا لم يكن يرتكب الأخطاء في نظري. لو قال ريغان إننا مضطرون إلى تلقين القذافي درساً بسبب دعمه الاعتداءت الإرهابية، فلا شك في أنه محق في كلامه. كان رئيس ليبيا رجلاً شريراً بينما كان رئيسنا بطلاً يمتطي الأحصنة مع ملكة إنكلترا. لم أتخيل يوماً أن يصبح القذافي محور الأحداث التي ستطبع عهد أوباما الرئاسي وستنعكس على دوري خلال ذلك العهد.

في فترة سابقة من هذا العهد الرئاسي، بدا القذافي أقرب إلى مصدرٍ للسخرية بدل أن يكون خصماً حقيقياً. في عام 2009، خلال أول مشاركة لنا في الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، أثار ضجة كبيرة حين رافقته فرقة من الحارسات الشخصيات وألقى خطاباً غير متماسك مدته مئة دقيقة ودعا فيه إلى إجراء تحقيق في اغتيال جون ف. كينيدي. من ناحية أخرى، كان حسّن مكانته الدولية عبر التخلي عن برنامج الأسلحة النووية في ليبيا. هكذا تحوّل إلى دكتاتور مُسِنّ وغير متّزن له أبناء أغنياء يحبون تمضية الوقت في لندن وأجهزة استخبارات تحارب تنظيم «القاعدة».

Ad

بعد مرور بضعة أيام على سقوط مبارك في مصر، تصاعدت الاحتجاجات في ليبيا المجاورة بوتيرة هائلة. ظهرت أصوات جديدة تدعو إلى تنحي القذافي. أطلقت قوى الأمن ذخائر حية ضد حشود المتظاهرين وسيطر الثوار على أجزاء من البلد، منها ثاني أكبر مدينة ليبية، بنغازي. هكذا تصدّرت ليبيا، بدل مصر، عناوين الأخبار على شاشات التلفزة في «الجناح الغربي» وطغت هذه المسألة على أسئلة المؤتمرات الصحافية، وسرعان ما أصبحت جزءاً أساسياً من أجندة الرئيس الأميركي.

في 22 فبراير، بلغنا واحدة من نقاط التحول التي أصبحت مألوفة خلال الربيع العربي، أي اللحظة التي يلقي فيها الحاكم الدكتاتوري خطاباً مهماً حيث يذكر ما سيفعله رداً على الدعوات إلى تنحّيه. جلست مجموعة منا في مكتبي الضيّق لمشاهدة التلفزيون فيما كان القذافي، بردائه البرتقالي البارز، يقف إزاء بقايا مبنى كان قصفه ريغان، وكانت الترجمة الإنكليزية لكلامه تمرّ في أسفل الشاشة. استعمل لهجة التحدي ليتعهد «بتطهير ليبيا شبراً شبراً، بيتاً بيتاً، داراً داراً، زنقه زنقه، فرداً فرداً، حتى تتطهر البلاد من الدنس والأنجاس».

بالنسبة إلي، كانت تلك المرحلة كلها مخوّلة للتحول إلى لحظة تاريخية. كنت أستضيف اجتماعات مع أميركيين ليبيين يأتون إلى البيت الأبيض لسرد قصص عن عائلاتهم المحاصرة التي كانت تحارب للبقاء على قيد الحياة. كانوا يعرضون لنا أيضاً صور أولادٍ يعيشون في النصف الآخر من العالم ويحثوننا على التحرك أو اتخاذ أي خطوة لتقديم المساعدة.

لكن لم يرغب معظم أعضاء الحكومة في التحرك في هذا الاتجاه.

قال بعض القادة العرب لهيلاري كلينتون إنهم مستعدون للمشاركة في الجهود الرامية إلى معاقبة القذافي. في أوروبا، أعلن الرئيس الفرنسي الذي يحب الأضواء، نيكولا ساركوزي، أنه سيضغط باتجاه اتخاذ قرار في مجلس الأمن يدعو إلى فرض منطقة حظر جوي. هكذا اضطررنا إلى اتخاذ قرارنا بشأن دعم ذلك التحرك أو معارضته خلال وقت قصير. لذا دعا أوباما إلى اجتماع مجلس الأمن القومي في 15 مارس لتحديد موقفنا إزاء الأمم المتحدة.

ليبيا على طاولة مجلس الأمن القومي

حصل الاجتماع في «غرفة تقييم الأوضاع» وبدأ بتقييم التطورات في ليبيا. وضع المشاركون خارطة أمامهم تكشف تقدم القذافي المنهجي ضمن خطة استرجاع أجزاء من البلد. كان جيشه بلغ بلدة أجدابيا التي تشمل نحو 80 ألف نسمة في وسط الصحراء.

أوضح مقدّمو موجز المستجدات أن أجدابيا كانت آخر محطة في الطريق إلى بنغازي، تلك المدينة التي تشمل أكثر من 600 ألف نسمة وتشكّل معقلاً للمقاومة المضادة للقذافي منذ عقود. انطلاقاً من أجدابيا، كانت قوات القذافي قادرة على قطع التيار الكهربائي وإمدادات الماء عن سكان بنغازي. إنه نوع الحصار الذي ينذر بوقوع مجزرة.

كانت سامانثا باور مشارِكة في الاجتماع. إنها الكاتبة المعروفة بفوزها بجائزة «بوليتزر» عن كتاب A Problem from Hell: America and the Age of Genocide (مشكلة من الجحيم: الولايات المتحدة وعصر الإبادة الجماعية). مررت لي ملاحظة مفادها أنها ستكون أول مرة نشهد فيها على أعمال وحشية جماعية في عهدنا. نظرتُ إلى أسماء البلدات والمدن المكتوبة على الخارطة أمامي، علماً بأنني لم أكن سمعتُ بمعظمها منذ بضعة أسابيع. لكن ها نحن الآن نتناقش حول مصير سكان تلك المناطق. نظرتُ إلى أوباما الذي كان يميل إلى الوراء في كرسيه ويحمل خارطة مشابهة وينظر إلى الأماكن نفسها.

اتصلت كلينتون من باريس. كان الوقت متأخراً هناك وبدا صوتها متعباً بعدما قامت برحلة طويلة في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا، وقالت إن القادة في تلك البلدان كانوا مستعدين للتعهد بتقديم الدعم الدبلوماسي والعسكري لفرض منطقة حظر جوي، وأيّدت شخصياً هذه المبادرة.

تحرك أوباما حول الطاولة كي يجذب أنظار الحاضرين. قال جو بايدن إن التدخل في الأساس قرار جنوني: ما الداعي للتدخل في حرب جديدة في بلد ذات غالبية مسلمة؟ عارض غيتس ومولن أيضاً القرار على اعتبار أن الجيش متورط بالكامل أصلاً في العراق وأفغانستان. لكن دعت سوزان رايس من جهتها إلى تحرك أكثر صرامة.

ثم انحرف أوباما عن مساره المألوف: بعدما سمع آراء كبار مستشاريه والمجتمعين حول الطاولة، بدأ ينادي الجالسين على الكراسي بمحاذاة الجدار. أراد من وجهة نظري سماع آراء مختلفة. راح صغار الموظفين يعبّرون، واحداً تلو الآخر، عن دعمهم التحرك، ما كشف الشرخ الواضح بين مختلف الأجيال وقد توسّع ذلك الشرخ بدرجة إضافية على مر الأسابيع الأخيرة. حين جاء دور سامانثا، تكلمت عن الوضع الإنساني معتبرةً أننا نعلم جميعاً ما فعله القذافي في الماضي حين أصبح حكمه مهدداً بالزوال: «ذبح المدنيين. أخبرنا بنفسه بما ينوي فعله في بنغازي: سيتنقل من منزل إلى آخر لقتل الناس».

ثم أدار أوباما كرسيه وأصبح مقابلاً لي وقال: «وأنت يا بن؟».

كررتُ عدداً من الحجج التي طرحها الآخرون، أي المخاطر الإنسانية وعواقب الفكرة القائلة إن الحكام الدكتاتوريين قد يبقون في السلطة إذا قتلوا الناس لكنهم سيسقطون إذا لم يفعلوا. فيما كنتُ أتكلم، شعرتُ بتردد أوباما.

تابعتُ قائلاً: «المجتمع الدولي مستعد لهذا التحرك. نعلم أن الجدل حتمي في الأمم المتحدة ونعلم أيضاً أن هذا التحرك يحظى بالدعم اللازم ومن المعروف أن الفرنسيين سيتحركون. لذا يجب أن نفكر ملياً بما سنقوله إذا قررنا عدم التحرك». توقفتُ عن الكلام لبرهة كي يستوعب الجميع هذا السيناريو. ثم أضفتُ: «يجب أن نشرح للشعب الأميركي والعالم السبب الذي منعنا من الانضمام إلى تحرك المجتمع الدولي».

قال أوباما: «نحن نناقش إذاً خياراً غير قادر على حلّ هذه المشكلة». كانت نبرة صوته غاضبة بدرجة معينة. ساد الصمت في القاعة للحظات. ثم سأل الرئيس الأميركي وهو ينظر إلى الساعات المعلّقة على الجدار: «كم الساعة؟». كان سيلتقي على العشاء في تلك الليلة مع غيتس ومولن والقادة العسكريين الأميركيين وزوجاتهم: إنه حدث اجتماعي سنوي يُنظَّم في البيت الأبيض. أضاف أوباما: «سأذهب لتناول العشاء مع الضيوف لكن أريد أن نجتمع بعدها مجدداً لتقييم بعض الخيارات الواقعية».

بدء التحرك

كانت برازيليا مكاناً مستبعداً لشن الحرب: إنها عاصمة مبنية على خطط مدروسة ومُصمّمة خدمةً للأعمال الحكومية وفيها مبانٍ إدارية تتسم بأسلوب مستوحى من الستينات والسبعينات. تقع هذه المدينة في أبعد نقطة ممكنة عن الشرق الأوسط. حين كان أوباما يقابل ديلما روسيف، المتمرّدة الماركسية السابقة والمُعتقَلة السياسية التي أصبحت رئيسة البلاد، كنت أعمل في مكتب للموظفين في قصر «بلانالتو» الرئاسي، أي النسخة البرازيلية من البيت الأبيض. كنا نتوقع أن تبدأ العمليات العسكرية في ليبيا في اليوم التالي.

حين كان أوباما يختم اجتماعه، بدأنا نجمع فريقه المؤلف من كبار مستشاري الأمن القومي لإجراء مؤتمر عبر الهاتف. بعد مرور بعض لحظات التوتر بسبب انقطاع الاتصال بشكل متكرر، حُوّل الاتصال إلى أوباما وشاهدتُه وهو يصغي بإمعان. كان الجيش مستعداً للتحرك الآن وبات ينتظر أن يصدر الأمر من الرئيس. فقال بأسلوب رسمي: «أنا أعطيكم الإذن». لطالما افتخرت البرازيل بعدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى وبعدم خوض الحروب. تولّت امرأة يسارية رئاسة البلد بعدما لاحقتها الحكومة العسكرية السابقة في البرازيل بسبب نهجها السياسي. لذا يُعتبر هذا التحرك على الأرجح أول حرب تنطلق من مكاتب الرئاسة البرازيلية وتحمل توقيع رئيس بلد آخر.

انتقلنا لاحقاً لحضور غداء رسمي بين كبار الشخصيات الأميركية والبرازيلية في مقر وزارة الخارجية. جلستُ هناك وشعرتُ بالتوتر فيما كنت أراقب جهاز «بلاك بيري» بين يديّ لتصفّح التقارير الإخبارية. في الوقت نفسه، كان الرجل الجالس بقربي، وهو رجل أعمال برازيلي، يسألني عن المواقف التي اتخذها أوباما بشأن إعانات الإيثانول خلال حملته في عام 2008. كان المشهد العام يعبّر عن السخافة السائدة في مكتب الرئاسة الأميركية: جلس أوباما إلى الطاولة الرئيسة وقام بواجباته عبر الترويج لقطاع الأعمال الأميركي في بلدٍ يشمل أكثر من 200 مليون نسمة بينما كانت الآلية الواسعة للحكومة الأميركية، بطلبٍ من أوباما، تستعد لقصف بلدٍ فيه سبعة ملايين نسمة.

كان الحدث اللاحق الذي سنحضره عبارة عن منتدى للمديرين التنفيذيين في مركز المؤتمرات. كان أوباما مضطراً إلى الإدلاء بتصريح علني عن الحرب التي بدأها للتو، وإلا سيظهر في أول صورة له بعد إعطاء الإذن بالتحرك وهو يجلس على طاولة في غرفة المؤتمرات وسط مجموعة من المديرين التنفيذيين.

كتبتُ في كلمته: «اليوم، أعطيتُ الإذن للقوات الأميركية المسلّحة ببدء تحرك عسكري في ليبيا دعماً للجهود الدولية الرامية إلى حماية المدنيين الليبيين. هذا التحرك بدأ الآن». توقفتُ للحظة ونظرتُ في أنحاء الغرفة من حولي. في مكانٍ ما فوق ليبيا، كانت الطائرات والصواريخ الأميركية تشقّ طريقها باتجاه قوات القذافي. لكن لم يكن الوقت يسمح بتحليل جوانب التحرك كافة. كان عليّ أن أنهي التصريح وأستكمل جدول ذلك اليوم. كتبتُ أقوى تصريح ممكن في أقل من نصف ساعة. قرأه أوباما بسرعة لكن بتمعّن.

في اليوم التالي، وصلنا إلى ريو. اتجهنا نحو «مدينة الرب»، حي واسع للفقراء. فيما راح الموكب يمرّ بالشوارع المليئة بمنازل متنوعة (سقوف متعرجة، ونوافذ ملوّنة، وأرصفة مشققة، وآلاف البرازيليين الأفارقة الذين يبذلون قصارى جهدهم لإلقاء نظرة على أوباما)، فكرتُ بكيفية تقييم أثر أوباما وعهده الرئاسي في هذه الحشود المجهولة وبطريقة قياس أثره في أشخاصٍ كأولئك الذين أحاطوا بالطريق التي مرّ عليها موكبنا مقارنةً بالواقع العملي الذي فرضته حرب انضممنا إليها على الجهة الأخرى من العالم. شاهدتُه وهو يركل كرة قدم مع مجموعة من الأولاد المتحمّسين في مركز اجتماعي ورحتُ أتساءل عما يجول في عقله.

في ساعات الرحلة المتبقية، التزم أوباما بجدوله الذي شمل اجتماعات عدة وخطابات حول أميركا اللاتينية ودعوات عشاء رسمية. في المقابل، كان أعضاء فريقه يجرون اتصالات متلاحقة أو ينظّمون مؤتمرات صحافية مرتبطة بالتطورات في ليبيا. للمرة الأولى في حياتي، كنتُ المتحدث باسم حكومة بدأت تخوض الحرب لتوها. عقدتُ مؤتمرات صحافية إزاء الكاميرا أو عبر الهاتف بالقرب من المكان الذي توقف فيه الموكب. في خضم هذه الأحداث كلها، أضعتُ شفرة حلاقتي. في آخر ليلة لنا في سان سلفادور، سألني أوباما ساخراً: «ماذا يحصل؟ ألم تعد تأخذ عناء حلاقة لحيتك؟».

في البداية ظننتُ أنه يمزح، فقلتُ له: «أظن أن شفرة حلاقتي موجودة في مكانٍ ما في البرازيل».

فأجاب: «يجب أن تتماسك. علينا أن نحافظ على صورة احترافية هنا». كانت نبرة صوته جدّية. لم يكن يمزح بأي شكل.

شعرتُ بأنني سأنفجر. لم أكن قد نمتُ لأكثر من ثلاث ساعات منذ أيام. كنت أتولى ثلاث مهام هناك للدفاع عن هذه الحرب ساعات طويلة كل يوم. بدا وكأن أوباما لا يدرك حجم العمل الذي أقوم به بعيداً عن أنظاره، ولم يترك لي ذلك العمل الشاق الوقت الكافي لشراء شفرة حلاقة. لكن حين استعدتُ هدوئي، أدركتُ أنه يستعمل تلك النوبات الغاضبة لتفريغ جزء من الضغط النفسي الذي يشعر به حتماً ولا شك في أنه يحاول التكيّف مع التطورات الحاصلة من خلال التماسك والتصرف بطريقة احترافية. لم أعجز عن حلاقة لحيتي فحسب، بل إنني خرقتُ أهم مبادئه التي تمنعنا من الانهيار.

انقلاب العالم رأساً على عقب

في كل صباح من تلك الأيام الأولى التي تلت عودتنا إلى واشنطن، كان أوباما يعقد اجتماعاً صغيراً في «غرفة تقييم الأوضاع» للاطلاع على التقدم الذي نحرزه في ليبيا: كانت تلك المقاربة مباشرة أكثر من المقاربات كافة التي طبّقها يوماً خلال العمليات اليومية في العراق أو أفغانستان.

كانت القوات الجوية التابعة للقذافي تدمّرت. توقف مسار قواته في ضواحي بنغازي، ما أسهم على الأرجح في إنقاذ حياة عشرات آلاف الناس. لم يُصَب أميركي واحد في تلك الحملة. بعد أيام عدة على تولّي الطيارين الأميركيين قيادة العمليات، أوكلنا المهمّة إلى قيادة حلف الأطلسي، فتولى الفرنسيون والبريطانيون في هذه المرحلة معظم أعمال القصف. هذا ما أراده أوباما: تحقيق أهداف محدودة ومتعددة الجوانب من دون الحاجة إلى نشر قوات ميدانية.

لكن برز انتقاد شائع من الكونغرس ووسائل الإعلام: لم يخاطب أوباما شعبه رسمياً منذ أن أعطى الإذن بإطلاق ذلك التحرك العسكري.

خلال شهرين فقط، انقلب العالم رأساً على عقب. شاهدنا سقوط النظام في تونس، وانهارت علاقتنا بحليف قديم للولايات المتحدة في مصر، وبدأنا التدخل في ليبيا. بدا وكأن التاريخ بدأ يصبّ في مصلحة الشباب الذين ملؤوا الشوارع وقررنا أن تؤيد الولايات المتحدة الأميركية هذه الفئة. لم يكن أحد يعرف نتيجة هذه الأحداث الدرامية: كانت الاحتجاجات بدأت تستهدف النظام الملكي في البحرين، والزعيم الفاسد في اليمن، والحاكم النافذ في سورية.

بعد إلقاء الخطاب، كنا نتوجه نحو الموكب حين سمعتُ أن أوباما أرادني أن أعود معه إلى البيت الأبيض. جلستُ على المقعد المقابل له. كنا وحدنا داخل الليموزين عندما كانت المركبة تخرج من الموقف وتمر في شوارع واشنطن المظلمة.

قال لي: «سار الوضع على ما يرام».

أجبتُه: «أظن ذلك».

أضاف: «ما زلنا بحاجة إلى خطاب لوضع هذه الأحداث كلها في سياقها».

قلتُ له: «كنت أعمل على خطاب مماثل منذ أسبوعين ثم بدأت أحداث ليبيا». رحتُ أتكلم عما يمكن فعله لاستعراض الوضع في تلك البلدان المختلفة من خلال طرح مجموعة مبادئ من شأنها أن تُوجّه الولايات المتحدة وتجعلها تستغل الفرصة الناشئة لإحداث التغيير.

تحوّلت أنظار أوباما إلى مشهد «المركز الوطني» الذي كان يمر إلى جانبنا ثم قال: «يصعب أن نستوعب حقيقة ما يحصل».

أجبتُه: «الأحداث متسارعة جداً».

فقال: «يمكن أن نمضي وقتنا كله على هذا الملف». كان خصص وقتاً طويلاً للسياسة الخارجية في الفترة الأخيرة. لكن كان يجب أن نهتم أيضاً بالاقتصاد غير المستقر والجدل المرتقب مع الجمهوريين حول رفع سقف الديون وحملة إعادة انتخابه. قال الرئيس أخيراً فيما كانت الليموزين تنعطف باتجاه المدخل الجنوبي من البيت الأبيض: «أتمنى لو أنني أتمتع بقوة ذهنية إضافية لتجاوز هذا الوضع!».