مساء الثلاثاء الماضي، وبينما كان الشعب الكولومبي في أميركا اللاتينية مشغولاً بمباراة منتخبه ضد إنكلترا في المونديال، اغتيل القائد الاجتماعي لويس باريوس في مدينة بالمار دي فيريلا بمقاطعة أتلانتيكو شمال كولومبيا.

السيد باريوس ضمن ناشطي مكافحة الفساد الذين يطلق عليهم في كولومبيا LIDERES SOCIALES، وهم غالباً ناشطون ضد الفساد ومكافحته، ولا يترشحون للمناصب النيابية والحكومية، حتى لا يتحول نشاطهم إلى دعاية سياسية، كما يفعل معظم السياسيين في العالم، والذين غالباً ما يتخلون عن مكافحة الفساد عند وصولهم إلى كرسي البرلمان أو المنصب الحكومي، وأقصى ما يصبو إليه المنضمون لهذا الحراك هو الحصول على مقعد في مجلس محلي أو بلدي، ليكون لهم صلاحية الولوج للمستندات الرسمية.

Ad

المغدور باريوس تلقى تهديدات بالقتل منذ ربيع 2015، لكنه لم يأبه بالتهديد، واستطاع أن يجمع مستندات تدين فاسدين في 20 قضية رفعها أمام المحاكم في داخل كولومبيا وخارجها، لملاحقة أموال الفاسدين. وكان يحلو للسيد باريوس أن ينشر بين فترة وأخرى صوراً له بجانب كومة كبيرة من الأوراق تبين حجم المستندات التي جمعها فيما يخص قضايا الفساد في مقاطعته، وتزايد ارتفاع تلك الكومة.

ورغم كل التهديدات، كان الناشط باريوس يقف في وسط مدينته، حاملاً مكبراً للصوت، ليبين القضايا التي يلاحقها، ويدعو الناس إلى دعمه في مكافحة الفساد وعدم الاستسلام للفاسدين الذين يسرقون أحلامهم. وكانت آخر قضية تبناها في مايو الماضي، هي أنشطة الاتجار بالبشر، الضالع بها بعض القياديين. واغتيل باريوس في بيته الخشبي المتواضع وهو على أريكته بطلقتين من نافذة منزله، من قاتلَين فرَّا على دراجة نارية، وتقدم السلطات الكولومبية مكافأة مالية تقدر بألف دينار كويتي لمن يدلي بمعلومات عن الجناة.

وعندنا في الكويت هناك منذ سنين مدعون بأنهم حماة المال العام وناشطون للدفاع عنه، لكنهم عندما يستقرون على كرسي البرلمان أو المنصب الحكومي يحدثونك عن العقلانية وعدم التهور في إطلاق الاتهامات، ومنذ سنوات ولجان التحقيق في مخالفات الحيازات الزراعية، وهناك العديد من النواب الحاليين والسابقين والشخصيات العامة لديهم المعلومات والمستندات الدالة على الفساد وأصحابه، لكن لا يتجرأ أحد على أخذ زمام المبادرة بمواجهة الفاسدين، ومن يفعل فإنه ضمن "الشو" والدعاية الانتخابية والسياسية.

قضية الفساد تحتاج إلى مواجهة اجتماعية ومناضلين حقيقيين، وليسوا طلاب مناصب وسياسيين ومرشحين لهم أغراض ذاتية. وعندما يكون لدينا في العالم العربي والكويت مناضلون من نوعية السيد لويس باريوس ورفاقه الــ 153 الذين اغتيلوا في السنوات الخمس الأخيرة في كولومبيا فقط لمواجهة الفساد سندخل حقيقة إلى عصر التصدي للفساد وملاحقة أصحابه.