خلافاً لما يمكن أن تفعله دولة في مثل أوضاعها فإن إيران بدلاً من أن تسترضي أوروبا، التي تساندها وتقف معها في مشكلة الاتفاق النووي، التي فجرتها الولايات المتحدة، بادرت إلى التصعيد والتحدي للأوروبيين، بمحاولة تفجير تجمع "مؤتمر" المقاومة الإيرانية الأخير، الذي عقد في باريس، وشارك فيه نحو ربع مليون إيراني وممثلون على مستويات رسمية وشبه رسمية من أميركا، ومعظم الدول الأوروبية وبعض الدول العربية، وناقش قضايا إيرانية في منتهى الأهمية.

ولعل ما يدل على أن إيران تمر بحالة ارتباك وبوضعية غير متزنة أنها كلفت أحد دبلوماسييها في "فيينا"، واسمه أسد الله أسدي، قيادة شبكة الاغتيالات والتفجير التي كلفتها باستهداف "تجمع باريس"، وحيث أعلنت وزارة الخارجية النمساوية أمس الأول أنها قررت رفع الحصانة الدبلوماسية عنه، تمهيداً لمحاكمته والمتورطين معه في هذه الجريمة، وجميعهم من الجنسية الإيرانية.

Ad

ثم وبدلاً من أن تلوذ إيران بالصمت على الأقل استرضاء للدول الأوروبية، التي شملها الرئيس حسن روحاني بزيارته الأخيرة، ذهبت بعيداً في التحدي، وهددت بأنها ستغلق مضيق هرمز، وتمنع تصدير النفط إلى الغرب، وهذا إن حصل بالفعل فسيكون خطوة جنونية لا يمكن أن يفعلها إلا الفاقد لعقله، الذي بدلاً من أن يسترضي الدول المعنية بهذا الأمر يقوم باستفزاز صارخ لها، ويضعها إلى جانب من يستهدفون طهران في هذه الفترة الخطيرة والشديدة التعقيد!

وهذا يعني إما أن أصحاب القرار في هذا البلد، الذي دأب على استفزاز "أشقائه" العرب في هذه المنطقة وخارجها، فقدوا عقولهم، كما يقول البعض، أو أن هناك صراعاً داخلياً إيرانياً دفع الطرف المتمرد، الذي يملك القوة الفعلية، إلى القيام بكل هذه المغامرات الاستفزازية لمضاعفة أعداء إيران، ودفع من يقفون على الحياد إلى الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، وتبني توجهات بل ومغامرات رئيسها دونالد ترامب.

وعليه فإن من المعروف أن دولة تمر بكل هذه الأزمات الطاحنة من المفترض أن تنتهج سياسات عقلانية، وأن تتنازل كثيراً حتى في القضايا التي تعتبرها أساسية ورئيسية، من أجل توسيع دائرة أصدقائها، و"تضييق" دائرة مناهضيها وأعدائها، لكن من الواضح أن طهران مصرة على فعل ما هو معاكس لهذه القاعدة السياسية، مما يجعل كثيرين يتساءلون: من الذي يحكم هذا البلد العريق الذي من المفترض أن يبتعد عما يسمى شيطنات الولد المشاغب التي لا تليق بدولة رئيسية ذات تاريخ عريق وحضارة عظيمة بالفعل؟!