عندما تقرأ بعض الأخبار عن العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، تخال أنهما في حالة تعارض شديد وكامل: الحكومة البريطانية التي يسودها الانقسام والفوضى مقابل بروكسل المنظمة والموحدة، حتى المحافظون الأكثر تشدداً يقرون بأن الجزء الأول من هذا الطرح يحمل شيئاً من الحقيقة.

نملك حكومة أقلية تعاني بين صفوفها خلافات شتى، فضلاً عن معارضة أكثر تشدداً في معارضتها كل المسائل مما شهدنا خلال سنوات كثيرة، أما الجزء الثاني فهو مجرد خرافة مذهلة ابتكرها عموماً مَن يرغبون في أن يصدقوا أن هذا هو الوضع فعلاً، أضف إلى ذلك اللامبالاة العامة بين الصحف والشعب في المملكة المتحدة بتفاصيل السياسة في القارة.

Ad

تُظهر الوقائع أن الاتحاد الأوروبي يعاني راهناً فجوة أكثر عمقاً واتساعاً مما يعيه كثيرون في هذا البلد، ولا تعود هذه الفجوة إلى اليورو، الذي تحوّل إلى مصدر خلاف من المرتبة الثانية، مع أنه لا يزال كثير التقلبات وسبباً للاضطرابات، بل إلى الهجرة.

تقسّم هذه المسألة بعض الحكومات، مثل بولندا وهنغاريا، وتزعج بعضها الآخر، مثل فرنسا، بالإضافة إلى ذلك، أدت الهجرة دوراً مهماً في الزعزعة شبه الكاملة التي واجهتها الأحزاب السياسية الإيطالية الرئيسة قبل بضعة أشهر، فيما وقفت بروكسل تراقب ما يحدث بذعر، وها هي أنجيلا ميركل اليوم تواجه خطر خسارة حكومتها بسبب هذه المسألة، بعدما ردّ الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري على ضغوط حزب "البديل من أجل ألمانيا" بإصراره على أن تتبنى ميركل موقفاً أكثر تشدداً. لذلك يؤكد جيمس فورسيث أن الهجرة تخطت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، متحولةً إلى الموضوع الأبرز الذي يشغل عقول ووقت كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، فقد اجتمعت الدول الأعضاء قبل أيام فيما اعتُبر "قمة مصغرة" بغية معالجة مسألة الهجرة.

لكن هذا الحدث لم يحمل أخباراً جيدة لميركل، التي أملت التوصل إلى اتفاق ما يمكنها استعماله كدعامة تحول دون انهيار ائتلافها المحلي المتقلقل، لكن الأسوأ من عدم حصول ميركل على اتفاق يبدد مخاوف حلفائها واقع أن مَن يقودون بعض الدول الأعضاء اليوم يعتبرون أن مصالحهم تكمن في الاقتتال لا الاتفاق. على سبيل المثال صوّر زعيم الرابطة ماتيو سالفيني، الذي يرأس راهناً وزارة الداخلية الإيطالية، صد سفن مليئة بالمهاجرين قادمة من ليبيا ومنتشلة من البحر الأبيض المتوسط كفضيلة عامة، ملتزماً بالتعهد الذي أوصله إلى السلطة، في المقابل سعى ماكرون إلى استرضاء قاعدته الشعبية بمهاجمة سالفيني وأمثاله ونعتهم بحاملي "الجذام الشعبوي"، فدفع هذا بدوره نائب رئيس الوزراء الإيطالي وممثل حركة النجوم الخمسة، شريك الرابطة الجديد في الائتلاف، إلى اتهام ماكرون بـ"النفاق" لمنعه دخول المهاجرين عند الحدود الفرنسية-الإيطالية، في حين أضاف سالفيني أن على الرئيس الفرنسي "أن يعطينا رقم سلطات مرافئه لكي تتوجه مراكب المهاجرين العشرة التالية إلى مارسيليا".

يعكس هذا تبدلاً خطيراً في موقف روما من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، صحيح أن إيطاليا كانت مستعدةً في السابق "للقبول طوعاً بتشريعات تتعارض بوضوح مع مصالح بلدها" كي تبقى مع سائر دول الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تملك اليوم حكومة تتباهى علانية بمعارضتها. ولا تكتفي هذه الحكومة بالقتال حيث تدعو الحاجة، بل تسعى إلى ذلك كلما أتيحت لها الفرصة، ولا تشكّل إثارة استياء ماكرون وحمل ميركل على استجداء تعاون إيطاليا مجرد نتائج ثانوية لاستراتيجيتها هذه. على العكس، تعتبرها الرابطة وحركة النجوم الخمسة نتائج مفيدة بكل معنى الكلمة، والأمر عينه ينطبق على ترامب الذي يدرك أن إشعاله غضب المجتمع الراقي في نيويورك أو كاليفورنيا يشكّل بحد ذاته دليلاً لقاعدته الشعبية على أنه يقوم بأمر جيد، ولا شك أن مَن يعارضون عملاً مماثلاً يصنّفونه نوعاً من التعدي، إلا أن مَن يؤيدونه يعتبرونه التزاماً بوعود حملته.

تعتبر المؤسسة الحاكمة في الاتحاد الأوروبي (ميركل، وماكرون، والمؤسسات، وطبقة بروكسل المحيطة بهم) هذا الموضوع مخيفاً ومزعجاً، لكن الخبر الأسوأ أننا لا نرى أي دلائل على أنه سينتهي قريباً.

* مارك والاس

*«كونسورفاتيف هوم»