في أحد المشاهد لخالد النفيسي يرفس أحد الممثلين ويقول: «قم!! حمار الكاركة!»، تكلم الفارسية والعربية وهو لا يعلم، فحمار «الكاركة» هو للشغل، وكلمة «كار» بالفارسية تعني العمل، وأما في دمشق فإن الممثل ياسر العظمة صاح «چیه؟!» موجهاً سؤالاً استنكاريا في مشهد محتدم، فكان يقول «كيف» ولكن بالفارسية، كما هو دارج في لسان العامة، وفي هذه المقالة سأقول «چيه» هو حجم التأثير الفارسي في لهجتنا!

الفارسية أثرت في لهجاتنا العربية باتساع، ففي مصر «آكزاخانة» تعني دار العلاج، فكل ما يعقب كلمة «خانة» بالفارسية تعني الدار، كقولهم «كتابخانة» بمعنى المكتبة، ومثل كلمة «بالاخانة» التي انتقلت للعالم الغربي والعربي «بلكونة» بمعنى الشرفة، وهي المكان الذي يكون «بلا-خانة».

Ad

وهناك ملاحظة مهمة في اللفظ الفارسي لـ»خانة» هو «خونة»، ومنها صار مقطع «كونه»، وفي لبنان يُسمى الطِشت (اللكن) وهي كلمة عامية أصلها (لگن) الفارسية، ملاحظة أخرى حرف «گ» ينطق مثل الـG الإنكليزية، وفي الكويت نسمي الزجاج (جام) بل في الوطن العربي أجمع نسمي أداة التدخين اللعينة «شيشة» التي تعني بالفارسية العبوة الزجاجية.

أما أسماء النساء الفارسيات فلن تسعها المقالة، ففي مصر «شيرين» تعني الملمس الحريري، وفي العراق «جلنارة» مؤلفة من مقطعين فارسيين «گل» الزهرة و»أنار» الرمانة، وعندنا في بادية الخليج يطلق للبنت اسم «شاهة» وهو تأنيث كلمة «شاه» التي تعني المَلك بالفارسية؛ وهي من ظواهر التهجين اللغوي، فالفرس ليس عندهم أداة تأنيث، كما أننا نقول قبل الانتصار في لعبة الشطرنج «شاه مات» أي مات الملك.

وحينما نحار بين أمرين نقول بالفصحى مثلاً: «هل تريد أن تركب السيارة أم الطيارة؟»، لكننا نجد أنفسنا نقول: يا السيارة يا الطيارة؟»، رغم أن العرب لديهم ياء النداء فحسب، والسبب يعود لاستخدام الفرس «يا» بمعنى «أو»، ولعل أشهر وأحب شخصية من الفرس لدينا هو سيدنا سلمان الفارسي، رضي الله عنه، الذي علمنا «کندک» التي تعربت لاحقاً «خندق»، ولكن هل العرب التجار أو الفاتحون أثروا في الفارسية؟ ألا يكفي رسم كل حروفهم بالرسم العربي؟

سأطرح قصيدة للشاعرة الإيرانية المتألقة «فروغ فرخزاد» لأوضح مدى عمق تأثير لغتنا العربية على الفارسية، بكلمات ذات معنى دقيق جدا، قصيدتها يُترجم عنوانها «أحب صحبتك».

مثل دانه اي که نور را

مثل مزرعي که باد را

مثل زورقي که موج را

یا پرنده اي که اوج را

فكل أداة تشبيه في البداية عربية بحتة، فأرادت الشاعرة أن تصف حب صحبة معشوقها بتعلق الأشياء في الطبيعة ببعض؛ فشبهت حبها لصاحبها قائلةً:

مثل «الدانة/ دانة» تحب «النور/ نور»،

مثل «الزرع/ مزرعي» يحب «الرياح/ باد»،

مثل «الزورق/ زورقي» يحب «الموج/ موج»،

«أو كالطائر/ يا پرند» يحب «أوج السماء/ أوج».

سأختم مقالتي بقبلةٍ لُغوية بأنه عندما يقبّل أي شخص في الوطن العربي نقول عنه ضاحكين «عطى بوسه» أليس كذلك؟ سأترك تمييز الكلمة العربية من الفارسية بهذه الجملة للقارئ الفطن.