ضمن قضايا اجتماعية كثيرة مرّت على مائدة المجتمع الكويتي اليومية المحتدمة، شغلت قضيتا "التظاهر ضد منع الغش"، وكذلك الاحتجاج على اشتراط وزارة التربية، ممثلة في معالي الدكتور حامد العازمي، وزير التربية والتعليم العالي، اجتياز اختبار "الآيلتس" لابتعاث الطلبة للدراسة في الخارج. هاتان القضيتان شغلتا فكري ورحت أتأمل فيهما طويلاً!

يمكن قبول وجود بعض حالات الغش في امتحانات المدارس، وهذا أمر موجود في طول وعرض العالم، وفي مختلف المدارس الحكومية والأهلية، لكن أن يتظاهر طلبة علناً وفي وضح النهار أمام مكتب وزير التربية والتعليم العالي، مطالبين بعدم نقل بعض نظار المدارس من أماكن عملهم لمقار أخرى، ومحتجين على سياسة محاربة ومنع الغش في امتحانات النقل لمرحلة الثانوية العامة، فتلك ظاهرة غاية في الغرابة، ومؤكد أنها تستحق الدراسة!

Ad

جاء في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وكم تبدو الدلالة مفزعة في تساوي من يحمل السلاح للقتل بمن يغش! فأن يُقدم شخص ما على حمل السلاح لمقاتلتك فمؤكد هذا ليس منك، وإلا لما شرع في مقاتلتك وربما قتلك. والحديث يساوي هذا بمن غشك، فإقدامه على الغش يعني بين أمور أخرى انتزاعه لنفسه من خانتك ووقوفه ضدك في خانة المواجهة!

أفهم تماماً أن يلجأ تلميذ للغش في مادة ما تحت ظرف ما، والسلوك البشري الطبيعي يقول إن هذا التلميذ البائس سيمارس الغش بعيداً عن عيني المدرس، وبعيداً عن أعين زملائه الطلبة، كي لا يفتضح أمره وبالتالي يُعرف بأنه غشاش. لكن، أن يصل الأمر إلى إقدام مجموعة من الطلبة إلى حمل لافتات والتظاهر في ساحة وزارة التربية والتعليم العالي، أمام البشر والحجر مطالبين بإباحة الغش وإعطائهم الحق في الغش وعدم محاربة الغش والوقوف في وجهه، فهذا أمر فظيع يتطلب بالضرورة دراسة اجتماعية نفسية تربوية معمّقة تبين كيف انتقل سلوك الإنسان من السوية البشرية ليصل إلى هذه الدرجة!

القضية الأخرى، في اشتراط وزارة التربية والتعليم العالي اجتياز اختبار "الآيلتس" للطلبة المبتعثين، فمؤكد أن هذا أمر طبيعي وفي صلب شؤون الابتعاث، ولم أكن أتصور بتاتاً أن ينبري أناس لرفض هذا الأمر واعتباره عارضة صعوبة في وجه طلبتنا المبتعثين. فأنا شخصيا خريج الثانوية العامة الحكومية، وبمجرد التحاقي بكلية الهندسة والبترول في جامعة الكويت، دخلت وزملاء كثر، إن لم أقل أغلب طلبة كلية الهندسة، لدراسة مقرر اللغة الإنكليزية لمساعدتنا على دراسة وفهم كتب المواد المكتوبة باللغة الإنكليزية، هذا ونحن في الكويت، فما بالك بمن ينوي الذهاب إلى دولة أجنبية، وهو لا يعرف أصول المحادثة ولا الكتابة. وكيف يمكن رفض هكذا تشريع يأتي لصالح الطالب وسمعة البلد!

إن اجتياز أي طالبة أو طالب لامتحان اللغة الإنكليزية "الآيلتس" يشكّل أساساً لقبول الطالب في البعثة، وبالتالي الاطمئنان عليه في قدرته على التواصل مع الآخر، وفي قدرته على فهم مادة الدرس ولغة المدرس. لذا لا أجد مسوغا لأن يقف البعض ضد هذا الشرط العلمي والعملي. وأنا أكتب ما أكتب وأعرف عشرات القصص لطلاب كويتيين من الإناث والذكور، ذهبوا إلى أميركا أو إنكلترا وأمضوا سنة أو سنتين، ومن ثم عادوا بلا شيء تماماً، وذلك لعدم قدرتهم على تعلم اللغة الإنكليزية محادثة وفهماً ودرساً!

كيف لأب أن يأتمن على إرسال ابنته أو ولده إلى دولة أجنبية بعيدة بعادات وتقاليد ورتم حياة مختلف، وهو لا يجيد أقل القليل في التعبير عن نفسه!

واضح أن الأمور انقلبت على وجوه كثيرة حتى صار من الصعب فهمها!