باتت مسلسلات رمضان عملية سلق بيض سريعة، لا يهم مستواها ولا قيمة مضمونها الفني، المهم ملء مساحات العرض التلفزيوني بالقنوات الفضائية لشهر رمضان، أحيانا يكون هناك اجتهاد للتميز فينتج عمل متميز بوسط كم هائل من أعمال متكررة وعادية، هدفها تعبئة وقت الصيام الطويل۔

وجاءت مسلسلات شهر رمضان لهذا العام أقل قيمة وتميزاً عن الأعوام السابقة وغلب عليها التكرار لقضايا ومواضيع سبق طرحها بالمسلسلات التي سبقتها، وبالنسبة لأسماء النجوم الكبار مثل عادل إمام ويسرا كانت أعمالهم باهتة وفقدت بريقها وخلت من الفكرة المتوهجة ولم تأت بجديد، حتى المسلسلات الكوميدية لم تكن بمستوى إنتاج الأعوام السابقة، وهذا لا يعني أني قد شاهدتها۔ لكن بمتابعتي لمقتطفات منها كشفت بسرعة عن مستوى محتواها.

Ad

الملاحظ على أعمال هذا العام زيادة ملحوظة بمسلسلات الإثارة والحركة والتشويق أي "الأكشن" وكذلك لم تنجُ من التشابه والتكرار، وأظن السبب يعود إلى السرعة في التنفيذ مما كشف عن أغلاط كثيرة في تصوير الأحداث وتسلسلها.

من المسلسلات التي حصدت التميز والاختلاف والتفرد في رأيي مسلسل" بالحجم العائلي" للمتوهج دائما والذي لا يخيب رأي المشاهدين فيه يحيى الفخراني، ممثل مشحون بطاقة تمثيل متدفقة بشحنة روحية عاطفية، قادرة على امتلاك وعي المشاهد تماما، واحترامه ومتابعته بكل أعماله الفنية منذ بداياته حتى الآن، ممثل لا يخيب ظن المشاهد فيه.

مسلسل "بالحجم العائلي" طرح قضية غياب الأب أو الأم من الأسرة وما يتبع هذا الغياب من تأثير ينعكس على الأولاد عندما يكونون بعمر التشكل أي ما بين سنين الطفولة والمراهقة، تأثير غياب أحد طرفي الأسرة سواء كان بسبب الموت أو الطلاق أو الهجرة أو لأي سبب آخر، لابد أن تنعكس آثاره على الحالات النفسية للأولاد، خاصة عندما لا يلاحظ انعكاساتها عليهم ومتابعتها بوقت مبكر، وهذا ما نكتشفه بالمسلسل، فالأب "نادر التركي" سفير قرر الاستقالة من عمله والسفر إلى "مرسى علم" ليفتتح مشروعاً يحلم به ويحبه، فندق سياحي على البحر وهو الشيف أي الطباخ الذي يعمل فيه، مما أبعده عن أولاده الأربعة، فزوجته "ميرفت أمين" رفضت أن تذهب معه، لأن "برستيجها" وشهرتها ومقامها الاجتماعي كزوجة سفير جعلها "تستعير" من مهنة الطباخ التي يهواها زوجها، ويكون نتيجة تأثير هذا البعد على الأولاد مختلفا، فالابن الكبير يتعلق بحب أمه مثله الأعلى، حتى إنه يتزوج صديقاتها اللاتي هن بعمرها دون أن تعرف، والابن الأصغر يفشل في دراسة الطب، والبنت الكبيرة تصيبها حالة نفسية فتكره والدها لأنها كانت تحبه وتظن أنه تخلى عنها، أما البنت الصغرى فتحب أستاذها الألماني وهو بعمر والدها بسبب افتقادها له، والأم تصبح هي المسيطرة على إدارة حياة أولادها، إلى أن يكتشف الأب الأخطاء التي وقعت بسبب غيابه فيعود لتصحيحها قبل فوات الأوان.

مسلسل يعالج مشكلة غالبية الأسر التي يقع عليها الفقدان لأحد طرفي العائلة.

بالحجم العائلي مسلسل فني هادف راقٍ اكتملت له كل عناصر النجاح من تمثيل بامتياز لكل طاقم العمل وعلى رأسهم القدير يحيى الفخراني وميرفت أمين، مع لمسة كوميديا خفيفة۔

المسلسل الثاني المتميز "ليالي أوجيني" بطولة الممثل التونسي المتألق ظافر عابدين وأمينة خليل، وانجي المقدم، وأسماء أبو اليزيد، ومراد مكرم، وكارمن بصيص وليلي عز العرب وإخراج هاني خليفة، هذه الأسماء عزفت سيمفونية تمثيل راقٍ بغاية الإمتاع، لم يعتمد على الحركات المبالغة "بالتشويح" بالأيدي أو حركات الوجه أو الزعق والصراخ، التمثيل بحد ذاته كانت مشاهدته متعة مصفاة خالصة ومدهشة، هذا إلى جانب الديكورات والأبنية والشوارع والأزياء والإكسسوارات والموسيقى التصويرية والإضاءة واختيار مدينة بور سعيد كان موفقا تماما للأحداث، التي كانت مطابقة لزمن الأربعينيات من القرن الماضي، وخدمت قصة الحب الرومانسية ما بين الطبيب "ظافر عابدين" وأمينة خليل الهاربة من زوجها الشكاك القاسي الذي اعتقدت أنها قد قتلته عندما عرفت منه تسفيره لطفلتهما إلى باريس ليحرمها من رؤيتها.

المسلسل يعيد المشاهد إلى زمن رومانسية مفتقدة بأداء تمثيلي هادئ وأحاسيس عميقة ينعكس تعبيرها بالعيون وطبقة الصوت، والجميع بصراحة أجادوا التمثيل بتفوق وعلى رأسهم أمينة خليل وليلى عز العرب التي لمعت أيضا بتمثيلها بمسلسل بالحجم العائلي، فطريقة تمثيلها مختلفة عن كل ممثلات السينما، كاركتور جديد.