يحق لنحو 56 مليون تركي أن يتوجهوا اليوم إلى صناديق الاقتراع، لاختيار رئيس جمهورية وبرلمان جديد، في انتخابات مهمة واستثنائية، تشهد منافسة غير مسبوقة منذ عقدين، بين تيارات محافظة، وعلمانية، ويسارية، وقومية، وكردية، وإسلامية.

لا يغيب أبداً اسم الزعيم التركي القوي إردوغان عن هذه المنافسة بطبيعة الحال؛ وكيف يغيب اسمه، وقد هيمن على مفاصل السلطة بشغف واقتدار شديدين، منذ صعد إلى مسرح السياسة في بلاده في عام 2002، محققاً العديد من الإنجازات، التي أغرته بإجراء تغييرات دستورية عميقة، أسفرت عن تمكينه من الحفاظ على موقعه على رأس السلطة طوال هذه السنوات.

Ad

يحلو للكثيرين من نقاد إردوغان ومعارضيه أن يتحدثوا عن تحديات رهيبة تواجهه في هذه الانتخابات، بل يذهب البعض إلى إمكانية خسارته منصب رئيس الجمهورية، أو على الأقل أن يفوز بالمنصب الأهم مع خسارة الأغلبية البرلمانية، مما يبقيه عاجزاً، في ظل برلمان يهيمن عليه المعارضون.

إن تلك التقديرات يجانبها الصواب على الأرجح، لأن إردوغان يمتلك الحظوظ الكافية لكي يفوز بالرئاسة وبأغلبية البرلمان.

وحتى إن لم يتمكن حزب الرئيس من الفوز بـ300 مقعد برلماني تؤمن له الأغلبية، فإن "الخطة ب" كما أسماها إردوغان تبدو جاهزة؛ إذ سيمكنه حينئذ أن يشكل حكومة ائتلافية.

لدى إردوغان أيضاً الخطة "ج"؛ وهي خطة سبق أن اختبرها وأحرز من خلالها نجاحاً مكنه من تجاوز تعثره في الانتخابات البرلمانية 2015، حين فقد حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية، فما كان من إردوغان إلا أن أعلن انتخابات مبكرة، واكبها ببعض الممارسات السياسية والاستخباراتية والإعلامية، التي مكنته من الفوز بالأغلبية، والعودة إلى الوضع الذي يفضله دوماً: الهيمنة التامة.

يواجه إردوغان منافسة قوية على موقع الرئيس من مرشح حزب الشعب الجمهوري، ذي الخطاب الشعبوي، محرم إينجه، ومرشحة حزب الخير ميريل أكشنير، ومرشح حزب الشعوب الديمقراطي، المسجون حالياً باتهامات أمنية، صلاح الدين دميرتاش، ومرشح حزب السعادة الإسلامي تميل أوغلو، وأخيراً دوغو بيرنتشيك مرشح الحزب الوطني.

بسبب زيادة عدد المنافسين، وتمتع بعضهم بقواعد شعبية، وتاريخ في العمل الحزبي، فلا يستبعد أن يعجز إردوغان عن حسم المنافسة في الجولة الأولى، بمعنى عدم قدرته على الفوز بأكثر من 50% من إجمالي الأصوات الصحيحة، لكن هذا لا يمنع بطبيعة الحال أن يتمكن من حصد الفوز بارتياح في الإعادة التي ستجري بعد أسبوعين مع صاحب أكبر عدد من الأصوات.

وفي كل الأحوال، فإن إردوغان سيكون قادراً على ربح هذه المنازلة، سواء على موقع الرئيس، أو فيما يتعلق بالأغلبية البرلمانية، التي سيعالج إخفاقه في الوصول إليها بإحدى الطريقتين اللتين سبق أن جربهما بنجاح: الائتلاف، أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.

لقد فاز إردوغان بكل انتخابات خاضها منذ صعد إلى المسرح السياسي في بلاده، منذ 16 سنة، وها هو يشرف على الفوز بالانتخابات الحالية مجدداً، وفق هذا التحليل، لكن الأكيد أن إردوغان تغير، وأن تركيا تغيرت، وأنه بموازاة هذا الفوز المرجح، سيُمنى بخسائر كبيرة.

يقول يشار ياقيش وزير خارجية إردوغان الأسبق إن الإداة السياسية الفاعلة للزعيم التركي القوي لم تعد كما كانت، معتبراً أن حزب العدالة والتنمية افتقد "الحماسة والإبداع".

لكن نقاد إردوغان، وبعض المحللين المنصفين، ذهبوا أيضاً إلى أن رجل تركيا القوي فقد الكثير من بريقه، ومن وجاهته، ومن قدرته على الإقناع، وبات "مرهقاً ومرتبكاً ومحملاً بالكثير من الحمولات الضارة والمؤذية".

سيربح إردوغان المواجهة الحالية لأنه استطاع أن يؤسس سلطة قوية، تحميها قاعدة سياسية، وتحظى بمساندة شعبية، مكنته من إحراز تقدم ملموس في ملفات اقتصادية وسياسية عديدة، فضلاً عن امتلاكه "ماكينة انتخابية" مدربة وذات ميراث وخبرات وموارد ضخمة، تستطيع أن تجبر فجوات المنافسة المناطقية والأيديولوجية لصالحه.

لكن مع ذلك، فإن فوز إردوغان المتوقع سيقترن بأربع خسائر كبرى، ستدفع تركيا ثمنها لسنوات طويلة، وقد تؤدي لاحقاً إلى خروج غير مشرف له من المشهد السياسي.

يربح إردوغان الانتخابات، لكنه مع ذلك يخسر الديمقراطية؛ فتركيا الآن تعيش ضمن حالة الطوارئ، التي فرضها في أعقاب ما عرف بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016.

بسبب حالة الطوارئ، وإجراءات إردوغان الغليظة، تواصلت عمليات الاعتقال السياسي، حيث يقدر عدد المعتقلين لأسباب سياسية بنحو 50 ألفاً، وعدد المقالين من سلك القضاء بنحو 110 آلاف قاض، كما تتزايد أعداد المحبوسين والمفصولين من الخدمة في القوات المسلحة والشرطة والتدريس والسلك الجامعي بشكل مطرد.

يفرض إردوغان إجراءات ويسن قوانين وينتهج ممارسات مقوضة لحرية الرأي والتعبير، حتى إن بلاده باتت "أكبر سجن للصحافيين في العالم"، بحسب ما تقول منظمات حقوقية دولية مرموقة.

الخسارة الثانية التي يمنى بها إردوغان، بموازاة فوزه المرجح، تأتي في المجال الاقتصادي؛ فبعد النجاحات التي حققها خلال رئاسة الحكومة، لم يشهد إردوغان سوى الإخفاقات الاقتصادية منذ بات رئيساً للجمهورية؛ وليس أدل على ذلك من تهاوي سعر الليرة التركية، وارتفاع الأسعار المطرد، وزيادة نسبة التضخم إلى 11%، مع الارتفاع المستمر في أعداد العاطلين.

الخسارة الثالثة التي يمنى بها إردوغان تتعلق بصورة الحكم ووجاهته؛ فقد تورط الرئيس في قضايا فساد، تم الكشف عن تفاصيلها في أجواء صراعه مع جماعة "خدمة"، حيث تم الكشف عما قيل إنه وقائع فساد تورط فيها الرئيس ونجله بلال، وهي وقائع لا يبدو أن إردوغان نجح في تبرئة نفسه منها حتى الآن.

أما خسارة إردوغان الرابعة فتتعلق بإخفاقه في الحفاظ على علاقات جيدة ومتوازنة بدول الإقليم والعالم، وبدلاً من الطموح الجامح الذي لخصه أحمد داوود أوغلو وزير خارجيته الأسبق، في عبارة "صفر من المشاكل"، باتت تركيا تسبح في محيط من المشاكل مع العراقيين، والسوريين، والمصريين، والخليجيين، والأوروبيين، والروس، وغيرهم.

إردوغان سيربح معركة الانتخابات، لكنه يخسر أربع معارك كبرى، وهي خسارة ستقوده إلى خارج المسرح حتماً، وهو خروج لن يكون مشرفاً أو وجيهاً.

* كاتب مصري