عندما يُذكَر تعبير "المصالحة" في مصر فإن أول ما يخطر على الذهن هو المصالحة مع "الإخوان"، ويتعرض من يطرح هذه الفكرة إلى هجوم حاد من أطراف كثيرة في المجتمع ليست مستعدة لقبول الفكرة. لكنني هنا أطرح فكرة المصالحة بمفهومها المجتمعي والاقتصادي، وذلك لسد الفجوة الواضحة بين الحكومة والقطاع الخاص.

والمصالحة المقصودة هنا ليست سياسية كما يظن قارئ الكلمة لأول وهلة، بل اقتصادية، مصالحة مع القطاع الخاص الذي مازال التوتر يسيطر على علاقاته مع الدولة حتى لو ادعى كل طرف العكس، بالتأكيد ليست بين الدولة ومن اقترفوا جرائم فساد واحتكار، وساهموا في الوصول بمصر إلى وضع اقتصادي حرج، بل مع القطاع الخاص.

Ad

لابد على الدولة في مصر أن تعترف أنه لا سبيل لنهضة اقتصادية حقيقية إلا باستثمارات أجنبية مباشرة وقوية، تساهم في إحداث حالة حراك اقتصادي تزيد معه معدلات النمو وتقل معه نسب التضخم والبطالة، وهو الأمر الذي يبدو كـ"فريضة غائبة" بفعل الظروف السياسية التي مرت بها الدولة خلال السنوات السبع الماضية، وبفعل بعض السياسات الاقتصادية والقانونية التي أحدثت نوعاً من ترهيب المستثمر الأجنبي الذي (في النهاية) يريد استثمار أمواله بشكل آمن ومفيد، ودون أي عوائق أو مطبات في طريقه.

ربما غاب عن الكثيرين من واضعي تلك المطبات -بحسن النوايا - فكرة أن المستثمر الأجنبي لن يتحرك في مناخ يعوق المستثمرين المصريين أنفسهم أو يفرض حالة من التقييد على أعمالهم، فكيف يأتي مستمثر أجنبي ونظيره المصري يعاني؟

وبالتالي على الدولة في مصر أن تواجه حقيقة مهمة أنه مازالت هناك شوائب في العلاقة أو لنقل "عدم وضوح رؤية"، أو حالة من التوجس، يتم إشعال وتيرتها كل فترة بين الدولة من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى، والمطلوب في هذه المرحلة هو إحداث مصالحة حقيقية بين الأطراف جميعها، ليس تعظيماً من شأن القطاع الخاص ولا تقليلاً من شأن الدولة، لأن الطرفين عضوان مكملان في نسيج المجتمع والدولة. المطلوب كذلك هو الحل السحري الذي أؤمن به تماما، وهو "دولة القانون" وفرض مناخ استثماري قانوني يُضمن فيه المنطق وعدالة التنفيذ، وأن يتم ضبط العلاقات بحيث تُضمن أيضاً عدالة المنافسة ومنع الاحتكار، وأن تكون هناك التزامات متبادلة واضحة بين كل الأطراف؛ التزامات من الدولة من خلال تسهيلات للقوانين واللوائح، والتزامات أخرى من القطاع الخاص بضمان الالتزامات القانونية والضريبية والجمركية والاجتماعية.

وهنا ربما تُخلق حالة من الهدوء النفسي العام في المجتمع ويعاد بناء جسور ثقة متبادلة. بالتأكيد هناك تغيرات إيجابية كثيرة تؤكد أن مصر تخطو بثبات نحو بداية جديدة تشهد من خلالها تنمية اقتصادية شاملة تحاول فيها أن تراعي البعدين الاقتصادي والاجتماعي. لكن السؤال الذي يجب أن نعرف إجابته هو: هل يمكن للدولة وحدها النجاح؟ هل ما تمتلك من مقومات اقتصادية كافٍ لإحداث النمو الاقتصادي المنشود؟ الإجابة القاطعة وبشكل علمي هي النفي.

العلم يقول إن الاستثمار الأجنبي المباشر للدول النامية وسيلة أفضل من اللجوء إلى الاقتراض ويساهم في سد الفجوة بين الادخار والاستثمار، لاسيما في ظل الشروط المجحفة للقروض الخارجية. وأيضاً تقلص المساعدات الخارجية للدول النامية، مع ملاحظة تراجع نسبة المساعدات الإنمائية المقدمة إلى تلك الدول.

وكما أشرت، لن نتمكن دون استثمار أجنبي مباشر يضخ في جسد الاقتصاد. فهم ذلك والاقتناع به هو المقدمة لتطوير الفهم إلى فعل.