ينتقل د. الجريد في الفصل الثاني من الكتاب إلى دراسة "المؤثرات الخارجية والداخلية" على رجال العلم والإصلاح والثقافة من الكويتيين قبل تأسيس النادي، بعد أن تحدث في الفصل الأول عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في الكويت بين عام 1899 و1923.

ويقف الباحث أولاً عند من زار الكويت من أعلام الحركة الفكرية والإصلاحية العرب، ممن كان لزيارتهم، يقول: "دور مؤثر في نمو وتشكيل الوعي الديني والثقافي والسياسي عند رجال العلم والإصلاح والثقافة الكويتيين، من خلال مشاركتهم في الفعاليات الدينية والثقافية وزيارتهم للديوانيات، بالإضافة إلى إلقاء الخطب في المساجد والمدارس".

Ad

ويعدّد د. خليفة الوقيان نحو العشرين من هذه الشخصيات، ليعرض "حجم انفتاح مثقفي الكويت على محيطهم العربي في العقود الأولى للقرن العشرين". ويذكر أسماء كل من الشيخ محمد رشيد رضا وأحمد زكي باشا والشيخ حافظ وهبة ومحمد كرد علي والأمير شكيب أرسلان ومحمود شكري الآلوسي ومحمد بهجة الأثري وعبدالعزيز الثعالبي والشيخ محمد الشنقيطي وغيرهم. ويقول إن الإصلاحيين الكويتيين لجؤوا "إلى توظيف استشارة العلماء العرب لتعضيد آرائهم وقناعاتهم حول القضايا التي يشكك فيها المتشددون، مثل كروية الأرض".

(الثقافة في الكويت، 2010، ص57).

ويقول د. الجريد إن السيد محمد رشيد رضا أحدث تأثيراً كبيراً، وكان من أبرز المتأثرين به الشيخ عبدالعزيز الرشيد، الذي وصف مجلة رشيد رضا "المنار" بأنها "من أوسع دوائر المعارف الإسلامية"، مما نتج عن زيادة عدد مشتركيها. ويقول الرشيد إنه بعد إحدى خطب رشيد رضا "أصبح الكثير من الراغبين في العلوم الراقية التي كانوا يحرِّمونها أولا جماً غفيراً". (ص46).

لم يكن عبدالعزيز الرشيد أول مؤرخي الكويت فحسب، بل كان كذلك مع الشيخ يوسف بن عيسى القناعي حلقة الوصل الفكرية مع العالم العربي والتفاعل مع من زار الكويت من أعلام الفكر والإصلاح.

والحقيقة أن المؤرخ الرشيد نفسه قد غير العديد من وجهات نظره لاحقاً، بسبب اطلاعه على مجلة المنار واحتكاكه بمفكري العالم العربي، حيث تغيرت توجهاته المحافظة والجامدة إلى ما تسمى عادة بالاتجاهات الحديثة والمستنيرة في الأدبيات الإصلاحية.

نشر الأستاذ "محمد ملا حسين" في مجلة "البعثة"، ديسمبر 1947، مقالا عن عبدالعزيز الرشيد أشار فيه إلى بعض آراء ومواقف الرشيد الأولى عندما كان مع التيار الديني الشديد المحافظ جاء فيه: "تأثر عبدالعزيز الرشيد بالبيئة التي نبت فيها ونما، فانطبع بذلك الطابع، فكان يحرم مطالعة الجرائد والمجلات والكتب العصرية، لأنها في نظره تجمع من الأخبار ما ليس بصحيح، وفيها من الآراء ما يعد معتنقها من الزائغين، ولم يكن ينفر منها فحسب، بل كان ينفر الناس من اقتنائها وقراءتها، كما كان يرى أن كثرة الاختلاط بالأغلبية لا تليق بأهل العلم، وكذلك كان ينفر من تعلم اللغات، أما العلوم العصرية، من طبيعة وجغرافيا ونحوهما، فكان راغباً عنها لأن فيها نظريات مخالفة للدين ككروية الأرض وحركتها، وكون المطر بخارا يتصاعد من الأرض، إلى عقائد أخرى، أعلن فيما بعد خطأه في الاعتقاد بها. وهو يعزو الفضل الأعظم في اتضاح الحق له في هذه الشؤون إلى أمور ثلاثة: مطالعته الجرائد والمجلات، وقراءة الكتب العصرية، ورحلاته إلى بلدان مختلفة، واجتماعه بكثير من أهل الفضل وما دار بينه وبينهم من بحث في هذه المسائل".

وربما جعلته هذه المواقف عندما تغيرت آراؤه وازداد احتكاكه بمعارف عصره والتوجهات الحديثة معرضاً قوياً لآراء التيار المحافظ والمفاهيم الموروثة. ويقول "ملا حسين" في المقال نفسه: "وقد جعل همه بعد ذلك تأليف الكتب والرسائل في دحض الآراء الفجة التي لا يتمسك بها إلا الجهلاء، وهو في مؤلفاته جريء يهوى الصراحة، حتى عد في بلده ناشزاً في بعض آرائه ومبادئه، وقامت في وجهه صيحات عالية بسبب ذلك".

(سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية، خالد سعود الزيد، الكويت، شركة الربيعان 1983، ص73).

ويلاحظ د. الوقيان محدودية التوجه الإصلاحي في الكويت، فيقول إن" الرشيد" و"القناعي"، يقف التجريد لديهم عند حدود دعوة الشيخ محمد عبده، ولا يتجاوز ذلك إلى القبول بالاتجاهات العلمانية أو الليبرالية أو الدعوات المتصلة بتحرير المرأة". ويضيف د. الوقيان: "ومما يرجح هذا الرأي أن الشيخ عبدالعزيز الشيخ ينتقد دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة كما يتعرض بالنقد للداعين إلى إلغاء حجاب المرأة. إضافة إلى اختلافه مع سلامة موسى حول حرية الأدب، ومع طه حسين حول آرائه في الشعر الجاهلي". (ص60).

ولا شك أن بعض المثقفين الكويتيين كانوا أشد معارضة للجمود، وظهرت بالتدريج شخصيات فكرية واجتماعية "إلى يسار" الرشيد والقناعي، إن صح التعبير، يقول د. الوقيان: "وهناك اتجاهات أخرى، أكثر استنارة يمثلها الشباب، ذوو الثقافة المدينة، مثل خالد سليمان العدساني، وعبداللطيف إبراهيم النصف، وخالد الفرج، وأحمد خالد المشاري، وعيسى القطامي، وسيد مساعد الرفاعي، وعبدالله علي الصانع وأحمد بشر الرومي، وحجي جاسم الجحي، ومشاري الحسن البدر، وسليمان العدساني، وعبدالحميد الصانع".

ويضيف د. الوقيان: "أشار خالد سليمان العدساني إلى جماعة الشباب المجددين في العقود الأولى للقرن العشرين، وذكر بعض الأسماء حين قال: "ويأتي في حدود هذا العهد جماعة أخرى من الشباب المجدد، الذين حركوا موجة الفكر الكويتي في مطلع النهضة الأولى، منهم السيد سليمان بن خالد العدساني، والسيد عبدالحميد الصانع وغيرهما. يضمهم هم والسيد محمد جعفر مجلس الأديب المرحوم السيد عبدالرحمن السيد خلف النقيب".

(الثقافة في الكويت، ص60).

ومما يجمع بين المؤرخ الرشيد والشاعر عبداللطيف النصف تأثرهما بالعلامة البغدادي محمود شكري الآلوسي، رائد السلفية في العراق، وأحد أبرز من تتلمذ عليه الرشيد عندما درس العلوم الدينية في العراق.

ويرسم د. الجريد دائرة واسعة للشخصيات والجولات الدراسية التي طورت وعي المؤرخ الرشيد وآراءه، فيقول: "كان الشيخ عبدالعزيز الرشيد يجوب العالم الإسلامي للالتقاء برجال العلم، فقد سافر للإحساء و(المدينة المنورة)، ثم سافر للأستانة والتقى بالعلماء والمفكرين أمثال السيد محمد رشيد رضا والشيخ عبدالقادر المغربي، فتولدت لديه العاطفة القومية، وتبلورت مفاهيمه الدينية، ثم سافر إلى مصر فحضر عدة حلقات في (الجامع الأزهر)، واتصل بالسيد محمد رشيد رضا وعرفه على كثير من رجال الدين والأدب، وقيل إنه تأثر بمناهج الإصلاح التي وضعها الشيخ محمد عبده، كما التقى بزعماء السياسة أمثال الزعيم التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، وكان لإقامته بمصر سنتين أثر اطلع فيهما على كثير من أمور الإصلاح التي نادى بها دعاة الإصلاح آنذاك، كما سافر الرشيد أيضاً إلى سورية والعراق، حيث درس عند مشايخ الزبير نحو عام 1320هـ 1902م مثل الشيخ محمد بن عبدالله العوجان مدرس الفقه الحنبلي، فتعلم أصول الفقه والنحو والتجويد، وعاد للكويت لتعميق مفاهيمه الجديدة في نفوس الشباب وترسيخها في عقولهم، حيث بذل جهداً منذ أن عين أستاذا للتاريخ بالمدرسة (المباركية عام 1917م فكان مشجعاً لتلامذته على حب الثقافة والأدب، ومن أبرز الذين تأثروا به الشاعر حجي بن جاسم الحجي، الذي قال عنه: "هو الذي أخذ بيدي، وهو الذي نشطني على قول الشعر وعلى المطالعة، وكانت غايته نشر العلم بين الأمة العربية قاطبة".

(النادي الأدبي، ص48-49).

ويقول د. الجريد إن الشيخ يوسف بن عيسى القناعي كان يسافر كذلك لتحصيل العلم، فقد سافر إلى "الاحساء" في أوائل القرن العشرين لتحصيل العلم من علمائها المعروفين، كما سافر إلى مكة المكرمة"، وهكذا، عندما تأسست مدرسة المباركية، سعى إلى إقامة مدرسة من خلال رؤية علمية تجمع ثلاثة محاور هي المدرس المتقن للعلوم الشرعية، ومحفظ للقرآن الكريم، وأديب يعلِّم فنون الكتابة والأدب وأشعار العرب الإضافة للحساب". (ص5)