ينقل دفق متواصل من الشاحنات المحملة بالنفايات ما ترميه العاصمة الروسية إلى مطامر في المنطقة المحيطة، لكن جبال النفايات الناجمة تولد أبخرة بغيضة وتطلق ملوّثات في المياه المجاورة، مهددة حياة السكان في المنطقة المحيطة بموسكو.

نشأت تظاهرات احتجاج ضد مكبات النفايات في ثماني بلدات وقرى على الأقل في المنطقة المحيطة بموسكو خلال الأشهر الستة الأخيرة، وتعرض الناشطون الروس لضغط متزايد منذ عودة بوتين إلى منصبه في عام 2012، وباتت التظاهرات نادرة عقب تظاهرات بولوتنيا في 2011-2012 التي نزلت إلى الشوارع ردا على التزوير الانتخابي. كذلك صنّفت وزارة العدل الروسية المجموعات غير الحكومية العاملة منذ زمن في مجالَي البيئة وحقوق الإنسان بـ"عملاء خارجيين"، وفي الوقت عينه عززت حكومة بوتين أشكالاً من النشاط أكثر وطنية وأقل تدخلاً في السياسة، مثل المجموعات الشبابية التي نظمت احتفالات ذكرى الحرب العالمية الثانية والمنظمات غير الحكومية ذات التوجهات الاجتماعية كتلك التي تهتم بالفئات المهمشة مثل المعوقين والأيتام.

Ad

في تسعينيات القرن الماضي تدفقت المساعدات الأجنبية إلى روسيا بغية دعم عملية الانتقال الديمقراطية بتمويل قضايا تتناسب مع أولويات الواهبين الغربيين، وقضايا مثل حقوق الإنسان والشؤون البيئية، لكن الكثير من هذه المجموعات يواجه صعوبة كبيرة في الاستمرار اليوم.

"منشنكو للاستشارات" شركة أبحاث وعلاقات عامة روسية رفيعة الشأن تركّز على الحملات الانتخابية وسياسات النخبة، تذكر في تقريرها الأخير أن "الصحة والأولاد يشكلان قيمتين عالميتين" تستطيعان تحفيز المواطنين اللامبالين وتدفعانهم إلى العمل.

منذ عام 2010 تحوّلت موسكو بقيادة العمدة سيرغي سوبيانين إلى مدينة عالمية ناشطة مولتها ثروات النفط وعملية إعادة التنمية المدنية، وبالإضافة إلى المطامر القائمة حُدد 52 مكب نفايات غير شرعي إضافية في منطقة موسكو في مطلع عام 2017، لذلك لم يبقَ أمام السكان المحليين أي خيار غير التظاهر، وفي 21 مارس دخل أكثر من 50 ولداً المستشفى بعد إصابتهم بعوارض تسمم.

تكشف التظاهرات في فولوكولامسك وغيرها من المناطق نقاط ضعف نظام السلطة السياسية في روسيا، الذي يوصف غالباً بـ"السلطة العمودية"، والذي لا يستجيب فيه المسؤولون الحكوميون لمطالب الشعب، بل لأوامر رؤسائهم السياسيين وعلى رأسهم بوتين، وإعراباً منه عن تعاطفه فرض بوتين إقفال مكب كوتشينو بأمر رئاسي.

غطت وسائل الإعلام الروسية إيجاباً حل مشكلة كوتشينو بسرعة، إلا أن هذا الحل لا يشكّل بالتأكيد حملة معالجة منظمة لمشكلة التخلص من النفايات في العاصمة.

في الوقت عينه مارس المسؤولون الحكوميون الإقليميون ضغطاً مهولاً على مَن هم أدنى منهم مرتبة في هذه السلطة العمودية بغية كبح تظاهرات النفايات والسماح بمواصلة نقل الفضلات، حتى إن بعض المسؤولين في المقاطعات والبلدات هُددوا بالاعتقال وخسارة ممتلكاتهم.

على سبيل المثال عمد ألكسندر شيستون أحد رؤساء المقاطعات الإقليمية في موسكو، بعد تعرضه للتهديد، إلى توجيه التماس مباشر إلى بوتين عبر يوتيوب عرض فيه التهديدات التي وُجهت إلى عائلته وطلب مساعدة الرئيس.

لكن واقع أن كل الأطراف المعنية بتظاهرات النفايات تشعر بأنها مرغمة على "التماس من القيصر" يُظهر في آن واحد مدى سلطة الرئيس وخطر أن يصبح بوتين في نهاية المطاف مسؤولاً عن إخفاقات الحوكمة الأساسية في مستوياتها الدنيا.

عندما يواجه المواطنون بنية حسنة مسؤولين لا يضطلعون بمهامهم تتخذ نشاطاتهم منحى سياسياً، فقد أجريتُ مقابلة مع قائد مجموعة مدنية بلدية من سانت بطرسبرغ يعمل في مجال البيئة المدنية والنفايات، فأكد لي أن من الواضح أن المسؤولين الحكوميين ما عادوا يستجيبون لمطالب الشعب، بل لأوامر "من هم أعلى منهم" الذين وضعوهم في مناصبهم.

أضاف متأسفاً أن نواب المدينة لا يتأثرون بالانتخابات، ملمحاً إلى أنهم يدينون بولائهم للنخب السياسية ولا يخضعون لمساءلة الشعب، ولكن عندما سألته عما إذا كان يخشى أن ترى السلطات عمله سلباً، استفاض هذا القائد، الذي طلب عدم ذكر اسمه، بالحديث عن رؤيته الخاصة عن الوطنية.

قال: "هذا بلدي، هذه مدينتي، وهذا شعبي. وهذا أكثر أهمية من البيروقراطية". إذاً، تدفع سياسات النفايات الناشطين غير السياسيين إلى انتقاد النظام السياسي، ولا شك أن هذه الميول، إذا لم تخبُ، قد تلحق ضرراً بشرعية نظام بوتين.

عندما تخفق الحكومة في حماية مواطنيها من الانبعاثات السامة، وعندما يُضطر المواطنون إلى النزول إلى الشارع للاستحواذ على انتباه المسؤولين، سيبدؤون بالتساؤل: ما نفع الحكومة؟

* لورا هنري

* «نيوزويك»