قدمت الرومانسية إنجازات باهرة في كل المجالات الإبداعية، وقد غطت النصف الأول من القرن التاسع عشر، وحولت مبدعيها إلى نجوم متوهجة تضيء سماء الثقافة الفرنسية، فبرزت أسماء خلدها تاريخ تلك الحقبة: ﭭيكتور هيغو، لامارتين، دي موسيه، دي راﭬال، شاتوبريان، قامات طرحت الكثير من الأسئلة المستعصية، وكانوا يتنافسون في البحث عن إجابات لكل شيء، ولم يتركوا كل ما له علاقة بالحياة إلا تناولوه، كلٌّ بأسلوبه الإبداعي الخاص به... من هنا اكتسبت فرنسا ما يميزها عن سواها بنكهة فلسفية وفنية بوجود هذه النماذج، التي جئنا على البعض منها، وتحديداً في ميدان الشعر!

***

Ad

• وحين جاء موعد الشاعر رامبو لم يكن أمامه سوى اختراع، أو اكتشاف شيء جديد لا يشبه فيه أحداً ممن سبقوه، بل إنه كان يسخر ليس، من ﭭيكتور هيغو فحسب، إنما من بودليير الذي كان بمنزلة أمير شعراء فرنسا، حيث قال فيهم:

سودٌ بالدمامل، مجدرون، عيونهم محاطة بهالات

خضراء أصابعهم المفتولة متشنجة على أفخاذهم

وقمة الرأس ملطخة بفظاظات مبهمة

مثل بقعٍ طافحة بالجدران القديمة!!

واستفاض في السخرية من رومانسيتهم في الكثير من قصائده قال في إحداها:

زرعوا في غراميات مهتاجة

هياكلهم العجيبة في الهياكل العظمية السوداء الضخمة

لمقاعدهم وأقدامهم على القضبان المتسخة

متقاطعة في الصباحات والأمسيات

ومما قاله في شعراء فرنسا الرومانسيين أيضاً:

ما الذي يمكن أن تفعله في باريس العاهرة

أرواحكم وأجسادكم، سمومكم وأسمالكم؟

***

• هذا الشاب القروي الشاذ اقتحم باريس بموهبة شعرية نادرة وجديدة وخلاقة، حيث فرضت نفسها على جميع الأسماء الكبيرة في ميدان الشعر...

• رامبو هذا: لم يكن سوى شيطان مريد قد خرج على المجتمع الباريسي من قعر الجحيم، ليجعل حياة الإنسان الوحيد الذي ارتبط به، وهو الشاعر ﭬيرلين، منساقة وراءه في ممارسة أقصى أشكال السلوكيات الشاذة وأحطها وأسفلها، حتى انتهى الأمر بڤيرلين أن أطلق عليه الرصاص في بلجيكا، بعد أن تسبب له في تحطيم كيانه العاطفي والاجتماعي وشوه سمعته، لكن الرصاصة أصابته في قدمه.

***

• ترك رامبو فرنسا وانتقل إلى إفريقيا ليمارس أحط المهن وأحقرها... تاجر في السلاح، وتاجر في الرقيق، ولكنه لم يتوقف عن الشعر، فهو يعبر عن اشمئزازه من الفتيات الإفريقيات:

آهٍ عشيقاتي الصغيرات

كم أشمئز منكنَّ!!

فلتُغطين بالخرق القذرة

أثداءكن القبيحة

• ولما كان يلتقي بالمبشرين في كنائس إفريقيا كان يصب عليهم جام غضبه وسخريته...

يستنشقون رائحة الشمع كأنها عبق خبز

سعداء، أذلاء ككلاب مضروبة

في صلواتهم المضحكة الملماحة

***

• بعد أن لاحقه الفشل تلو الفشل في إفريقيا، وتناوشته الأمراض حط رحاله في مدينة عدن، حيث مكث فيها بضع سنوات قبل أن يشتد عليه المرض، فعاد إلى فرنسا ليموت في أحد مستشفيات مدينة مارسيليا.

• رغم أن قائمة شعراء فرنسا العظام طويلة، فإن الكثير من النقاد يرون أن رامبو أعظم شاعرٍ شيطان أنجبته فرنسا!