تساقط الشعر حدث عصيب بالنسبة إلى الرجال والنساء على حد سواء. لذا بذل العلماء جهوداً حثيثة على مر سنوات طويلة لإيجاد طريقة فاعلة لمحاربة المشكلة.على مر قرون عدة، لم يوفّر العلماء أي مسار، مهما كان غير مألوف، سعياً وراء إيجاد علاج لتساقط الشعر.في مصر القديمة مثلاً، كان الصلع المبكر يُعتبر عقاباً من الآلهة وكان أحد العلاجات يقضي بفرك روث الماعز بفروة الرأس.
بما أن الماعز لا يخسر شعره مطلقاً، كان يُفترض أن يخدع هذا العلاج الآلهة كي تظن أن الفرد المنكوب من فصيلة الماعز.بعد مرور آلاف السنين، لا تزال الخيارات محدودة. يبرز اليوم نوعان من الأدوية لتساقط الشعر (مينوكسيديل وفيناستيريد)، لكن حقق الاثنان نتائج مختلطة وتسبّبا ببعض الآثار الجانبية المزعجة، مثل الحساسية وضعف الانتصاب، وتكمن المفارقة الكبرى في تسبّبهما أيضاً بتساقط الشعر.يقضي خيار آخر بإجراء جراحة زراعة الشعر التي تكون مكلفة وطويلة الأمد ومؤلمة.
البحث عن خيارات أفضل
يشارك الدكتور ناثان هوكشو وزملاؤه من {مركز بحوث الأمراض الجلدية} التابع لجامعة {مانشستر} في بريطانيا بالأبحاث المتواصلة لإيجاد دواء يملأ النقص العلاجي في هذا المجال.في خضم هذه المساعي، قيّم الباحثون الأدوية التي يستطيع الجسم تحمّلها. كانوا يأملون أن يجدوا عنصراً آمناً بالنسبة إلى البشر على أن يكون مفيداً أيضاً لمعالجة الصلع الوراثي المعروف باسم الصلع الذكوري (مع أنه قد يصيب النساء أيضاً).أثار دواء السيكلوسبورين {أ} اهتمامهم وكان من نوع مثبطات المناعة. استُعمل منذ الثمانينات لتجنب رفض الأعضاء المزروعة. كان نمو الشعر غير المرغوب فيه جزءاً من الآثار الجانبية التي يسببها السيكلوسبورين {أ}.انطلق الدكتور هوكشو من هذه النقطة في أبحاثه. إذا تمكّن الباحثون من فهم الآلية النشيطة في هذا المجال، قد يتوصلون إلى مقاربة حديثة لمعالجة تساقط الشعر.فاستعملوا بصيلات شعر معزولة من فروة رأس بشرية واكتشفوا أن دواء السيكلوسبورين {أ} أضعف التعبير عن بروتين اسمه SFRP1، من المعروف أنه يكبح نمو الأنسجة، بما في ذلك بصيلات الشعر.هذا ما يجعل السيكلوسبورين {أ} يعزز نمو الشعر. عملياً، يُجدّد الدواء نشاط البصيلات ويقدم أيضاً آلية جديدة يمكن استكشافها.سعى الدكتور هوكشو إلى إيجاد دواء معروف كي يتفاعل مع هذا المسار العلاجي ويسمح بتعزيز نمو الشعر. بعد أبحاث طويلة، وجد دواء WAY-316606 المُصمَّم أصلاً لمعالجة هشاشة العظام. يستهدف هذا الدواء بروتين SFRP1 تحديداً.لتحليل مدى فاعلية الدواء، اختبر فريق البحث بصيلات شعر بشرية مأخوذة من متبرعين يخضعون لزراعة الشعر: {بفضل تعاوننا مع الدكتور عاصم شهملك، جراح محلي متخصص بزراعة الشعر، تمكّنا من إجراء تجاربنا على بصيلات شعر تبرّع بها أكثر من 40 مريضاً، ثم خضعت العيّنات للاختبار عن طريق زراعة الأعضاء}.يعتبر الدكتور هوكشو أن استعمال هذا النسيج كان بالغ الأهمية: {هذا ما أعطى قيمة لأبحاثنا من الناحية العيادية لأن دراسات بحثية كثيرة عن الشعر كانت تكتفي باستعمال مقاربة زراعة الخلايا}.كانت الدراسات السابقة المرتبطة بخصائص نمو الشعر التي يعطيها دواء السيكلوسبورين {أ} قد استخلصت استنتاجات مختلفة بالكامل.يوضح الدكتور هوكشو: {حين كانت آثار السيكلوسبورين {أ} على مستوى نمو الشعر تخضع للدراسة سابقاً على الفئران، كانت تنشط آلية عمل جزيئية مختلفة جداً. لو أننا اتكلنا على تلك المفاهيم البحثية الخاصة بالفئران، لكنا اتخذنا مساراً خاطئاً في أبحاثنا». نُشرت النتائج التي توصلوا إليها في مجلة «بلوس بيولوجي».علاج ناجح
سمح استعمال دواء هشاشة العظام بتعزيز نمو شعر جديد في عينات الأنسجة. يظن الدكتور هوكشو أن دواء WAY-316606 قد يتفوق أيضاً على السيكلوسبورين {أ}، لكن من دون أن يسبب آثاراً جانبية مزعجة: {تُعتبر قدرة هذا العنصر الجديد على تعزيز نمو الشعر البشري، مع أنه لم يُستعمل يوماً لاستهداف مشكلة تساقط الشعر، مثيرة للاهتمام نظراً إلى إمكاناته المتشعّبة، ما يعني أنه قد يُحدِث في أحد الأيام فرقاً حقيقياً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون مشكلة تساقط الشعر}.من المتوقع أن يرحّب كثيرون بهذا الاكتشاف باعتباره إنجازاً حقيقياً. لكن قبل إجراء تجارب عيادية واسعة، لا بد من توخي الحذر. صحيح أن الدراسة جرت على أنسجة بشرية مناسبة، لكن على أرض الواقع يمكن أن تتفاعل الأدوية بطرائق مختلفة.الوقت والبحث المتواصل كفيلان بإثبات الحقيقة، ومع ذلك تشكّل هذه النتائج بداية ممتازة. حتى لو لم يحقق دواء WAY-316606 الإنجاز المنتظر، ربما يسمح تحليل الجزيئات ذات الصلة ببلوغ النتائج المرجوّة في نهاية المطاف.