لقد جرت انتخابات برلمانية لبنانية قبل أيام، وكانت طائفية سياسية كالعادة، طغت فيها الإثنية في عصر الإثنية العربية، ولما كان لبنان خلال حروبه الأهلية الثلاث، وفترات ما بين تلك الحروب قد رسخ نموذجاً طائفياً سياسياً فقد أصبح التحدي أمامه تغيير ذلك النموذج بمشروع إلغاء الطائفية السياسية.

لقد أصبح ذلك النموذج الطائفي مترسخاً في التقسيم، منذ استقلال لبنان بعد الحرب العالمية الثانية، حتى الانتخابات الأخيرة، فقد ترسخ ذلك النموذج لبنانياً وعربياً وواقعياً ودستورياً، ويجري ذلك على الرغم من الشعب اللبناني كشعب مهاجر ومسافر وبلد للترانزيت والثقافة المرتبطة بثقافة التنوير الفرنسية التي سادت ثقافته الوطنية على الإثنية الطائفية السياسية، لكن انتماء لبنان الطائفي السياسي هو السائد والغالب في كل مناسبة سياسية، فما الحكاية؟!

Ad

إن العقود الطويلة الثقيلة لبناء ذلك النموذج رسخت وجذرت ذلك وآخرها حزب الله اللبناني منذ العقد الأخير من القرن العشرين، والسؤال كيف يستقيم ذلك النهج الطائفي السياسي مع ما ذكرناه عن ثقافية لبنان، وهل سيستمر ذلك النهج؟ إننا كعرب نحاكي النماذج السيئة في تاريخنا لا النماذج الجيدة والإيجابية، فهل نفعلها مرة ونقدم على خطوة تاريخية بإلغاء الطائفية السياسية في لبنان دستورياً وقانونياً وواقعياً ليكون لدينا نموذج آخر ديمقراطي تعددي يعترف بالآخر ويحترم رأيه، وقد يستفيد العرب من ذلك التحول التاريخي؟!

استفاد أعداء الديمقراطية الطائفيون والعنصريون من ترويج بضاعة (الديمقراطية) المزيفة، وأعطوها مفهوماً إثنياً طائفياً وعنصرياً مع تقدم الأيام، ليتأخروا لا ليتقدموا، الحلم هو أننا قد نصحو يوماً على تطور حقيقي تاريخي يقدم الوطنية على الإثنية الطائفية والعنصرية ليبني مفهوماً آخر، يقدم الوطنية على كل الإثنيات، لكن السؤال كيف ومتى؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، بل ذلك يعني تغييراً لواقعنا من التقليد إلى التجديد ومن التخلف إلى التقدم ومن الحاضر إلى الماضي الأفضل ولا نقول إلى المستقبل! وحتى تبدو بوادر ذلك التحول نبدأ بالإجابة عن السؤال.

إن البعض لم يدرك بعد أن التاريخ يتحرك ويمر بمراحل، تكون كل مرحلة فيه مرتبطة بما سبقها، ولكن لها مستجداتها بحيث تشكل مع غيرها تطوراً وتحولاً، فذلك يعني أن الكيانات قد تطورت من القبيلة إلى الإمارة إلى الدولة فالإمبراطورية؛ لتعود إلى الوطن وتستقر عليه على أساس أنه الانتماء الأول، ثم تأتي الانتماءات الإثنية الأخرى، لكن المشكلة لدى البعض تكمن في استمرار الفهم والممارسة الإثنية على حساب الوطن والانتماء الوطني، فهل نصحو في يوم على تحول تاريخي يكون الانتماء إلى الوطن أولاً، ثم تأتي الانتماءات الاثنية الأخرى؟ الإجابة عن السؤال متروكة للمستقبل.