يحدث شيء ما هنا، لافت ومخيف، هنا في مجتمعاتنا لم تعد "الحاجة" عورة تستوجب الستر، ولم نعد نشعر بأنها مخلبٌ ينهش من لحم إنسانيتنا، أو ذلٌّ نَهِم يقتات على مائدة كرامتنا! في غفلة منا لم تعد الحاجة "كسرة ظهر" وضعفاً يفضحه نكرانه، وعتمة يحجبها ضوء التعفّف، في غفلة سقط الحياء عن الحاجات... أيضاً، كما أنها لم تعُد تُقضى بالكتمان!

أصبحت الحاجات تتعرى علناً في الساحات العامة، وتنزع ثيابها بغنج حتى آخر قطعة، وتجمع الغلة في آخر "الوصلة"؛ مما تجود به "جيوب" المتفرجين، أصبحت الحاجات تُعرض أينما خطونا، ابتداء من الشحاذين المنتشرين في الشوارع إلى الشحاذين في القصور، ومَن بينهم من الناس، إلاّ من رحمته عزّة نفسه. نفسها المسماة "الحاجة"، والتي كنا نتبرأ منها، وإنْ كذباً، أصبحنا ندّعيها زوراً وبهتاناً، خطابات شفاعة تدّعي المرض وحاجتها للعلاج، وأخرى تدّعي ديناً ثقيلاً من المال وحاجتها للوفاء به، أو ظرفاً آخر من ظروف الحياة التي يعيشها الكل ويتقاسم عسرها ويسرها الكل، إلا أن الحاجات أصبحت أكثر ثقلاً، أو أننا أصبحنا أكثر ضعفاً في الحياة، فاخترعنا لحاجاتنا وسيلة سهلة لإشباعها، ورسمنا لها طريقاً مختصراً لوصول غايتها ونمنا هانئين، واتبعنا درسا من دروسنا الإنسانية في الحياة وهو القائل: "بدل أن تصطاد لي سمكة علمني الصيد"، وطبقنا ذلك حرفيا على حاجاتنا، علّمنا حاجاتنا كيف "تأكل بثديها" لتعيش، وانتزعنا القيود من سُعَارها، ولم تمانع بعض الحاجات من ممارسة الرذيلة، بل بدا بعضها متعطشاً لها. الحاجة التي وعينا عليها كإحدى "محارمنا" أصبحنا نرافقها جهاراً نهاراً، لنضعها في حضن أحدهم بأمان، أو نعرضها في "السوشيال ميديا"، وصفحات الصحف والمجلات وما أمكن من شاشات التلفزة، ومحاولة تسويقها لأي عابر سبيل، نحن لم نعد أمناء أسرار حاجاتنا، بل أصبحنا نجاهر ونتاجر بها، ونفاخر بحسن استغلالها لحسن معاشنا، وحتى حاجاتنا لم تعد هي ذاتها التي كنا نرى جمال سترها أخاذاً رغم ضعفها الموحش، فهي تبدو الآن بشعة بقوة عريها، أصبحت الحاجات بجحة ككثير مما يحدث، إلا أن الحاجة أخطر إذا ما أصبح أمر وقاحتها شائعاً، فهي المحفز لأي سلوك إنساني، فإذا تلوثت الحاجة بالوقاحة فلن يبقى من إنسانيتنا ما يقينا شرور أنفسنا، وسنغدو كائنات تسعى وراء حاجتها بأي ثمن ودون اعتبار لأي شيء، ونكاد نشعر أننا على مشارف ذلك، لولا بقية ما زالت "تحشم" حاجاتها وتكرمها من عرضها في "فاترينة" الحياة بملابس البحر، كما يفعل الكثيرون، بقية ما زالت تقاتل بضراوة لئلا تبيع أنفسها لحاجاتها، بل تبيع الحاجات لشراء أنفسها، بقية لم تطلق حاجاتها كلاباً مسعورة تقودها في طرقات الحياة، ولم تجعلها غانية تبيض لها ذهباً، بل عورات تستوجب الستر!
Ad